ووفقا لناشطين وحقوقيين، فإن عدد المعتقلين لأسباب تتعلق بالانتقام السياسي تخطى 4500 معتقل حتى نهاية 2025. ويشير الناشطون إلى أن مجموعات أمنية مسيطر عليها بالكامل من قبل عناصر تنظيم الإخوان مثل “العمل الخاص” وهيئة العمليات، تنفذ حملة اعتقالات واسعة تستهدف بشكل أساسي الرافضين للحرب، والناشطين الذين شاركوا في الثورة التي أطاحت بنظام الإخوان في أبريل 2019، وعملت على تفكيك هيمنته على الأجهزة الأمنية قبل أن يعودوا مرة أخرى في أعقاب انقلاب البرهان على التحول المدني في أكتوبر 2021.
وحذر قانونيون من اتساع كبير في حدة الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين، مشيرين إلى استخدام تنظيم الإخوان الأجهزة الأمنية لقمع معارضيهم السياسيين.
ويتهم مراقبون السلطة التي يقودها الجيش في السودان، بمحاولة قمع النشطاء الحقوقيين والمدنيين من أجل التخلص من الأعباء القانونية المحتملة للانتهاكات الكبيرة التي ارتكبت ضد المدنيين قبل وخلال الحرب، محذرين مفوض الأمم المتحدة فولكر تورك من الانجرار وراء الخطط الجارية لإخفاء الأدلة حول الانتهاكات المرتكبة والتي طالت آلاف المدنيين، مشيرين إلى أن زيارته لمعسكر الدبة في شمال السودان والذي أنشأته السلطة في أكتوبر يأتي ضمن خطة تهدف لهندسة خارطة الانتهاكات بعيدا عن نطاقاتها الحقيقية.
ويحذر المراقبون أيضا من خطورة استمرار النهج الحالي الذي يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب، وهو ما تلفت إليه الدكتورة سعدية سيف الدين مسؤولة المكتب القانوني لأسر شهداء ثورة ديسمبر، بالقول: “ما يحدث الآن كان مخططا له لتغيب العدالة ونعلم تماما أن ما يدور داخل المنظومه العدلية ممثلة في القضاء والنيابة هو خداع كبير للتستر على كل مرتكبي الانتهكات والمظالم في السودان”.
وتضيف لموقع “سكاي نيوز عربية”: “خروج العسكر من الحكم وعودة الحكم المدني هو الطريق الوحيد لإعادة تشكيل المنظومة العدلية ووقف الانتهاكات”.
تحول خطير
كشفت الاعتقالات الأخيرة التي طالت عددا من النشطاء السياسيين في أعقاب دخول الجيش الخرطوم وخلال الاحتجاجات التي انطلقت في منتصف ديسمبر لإحياء ذكرى الثورة التي أطاحت بنظام الإخوان، عن استهداف ممنهج لرافضي الحرب وهيمنة الإخوان.
وفي الواقع، شهدت الساحة الأمنية في السوداني تحولا دراماتيكيا بعد انقلاب البرهان، والذي أعاد السلطة الأمنية لعناصر الإخوان بشكل كامل.
ويربط مراقبون بين تزايد حدة الانتهاكات وسيطرة عناصر وكتائب الإخوان على الأجهزة الأمنية. ويشيرون إلى تغير كبير في مفهوم “العداء” خلال الحرب الحالية، حيث بات يربط بشكل مباشر بكل من يطالب بوقف الحرب أو يعارض أجندة تنظيم الإخوان.
وفي هذا السياق، يقول التوم حاج الصافي الخبير في العلاقات الدولية: “كتائب أمن الإخوان هي مليشيات تنظيمية وُجدت لحماية مشروع أيديولوجي تستخدم العنف كأداة سياسية، ومع ذلك جرى تمرير أخطر معادلة في تاريخ السودان الحديث من يعادي هذه المليشيات يُوصَف بأنه يعادي الوطن…هذه ليست دعاية عابرة، بل محاولة لخنق أي صوت نقدي، وتجريم أي محاولة للمساءلة”.
وتحدثت تقارير خلال الفترة الأخيرة عن هيمنة عناصر كتائب البراء على أكثر الأجهزة الأمنية قمعا للمدنيين مثل قوات العمل الخاص وهيئة العمليات.
ويحذر مراقبون من خطورة ربط الأجهزة الأمنية بعناصر متطرفة، ويقول حاج الصافي: “مليشيا البراء لم تكن تشكيلًا وطنيًا جامعًا، بل ذراعًا عقائدية جرى تعميدها بخطاب الحرب، وتحويلها إلى رمز زائف للوطنية، بينما تحمل في جوهرها هوية إقصائية لا ترى السودان إلا من ثقب التنظيم”.
ويضيف الصافي: “الحرب كانت الهدية الأكبر للإخوان”.
انتهاكات واسعة
وتشير تقارير صادرة عن مجموعة “محامو الطوارئ” ونقابات مهنية إلى مقتل العشرات داخل معتقلات الأجهزة الأمنية في مناطق سيطرة الجيش، كما تؤكد تعرض المئات من الموقوفين إلى عمليات تعذيب ممنهجة وحرمانهم من حقوقهم القانونية.
ورصدت الناشطة والمحامية رحاب مبارك أكثر من 2600 انتهاكا في حق المدنيين منذ اندلاع القتال، مطالبة في حديث لموقع “سكاي نيوز عربية” بتحقيقات دولية عاجلة. وأوضحت مبارك “هنالك حاجة ملحة لاتخاذ خطوات قانونية عاجلة في كافة الانتهاكات بما فيها جريمة استخدام أسلحة كيمائية من قبل قوات الجيش”.
وأكد تقرير صادر عن نقابة الصحفيين السودانيين يوم الأربعاء، مقتل 14 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي خلال 2025، واحتجاز وإخفاء 19 صحفيا، مشيرا إلى أن الانتهاكات المرتكبة ضد الصحفيين بلغت 590 انتهاكا منذ اندلاع الحرب.
ووثقت النقابة 19 حالة تهديد مباشر وخطاب كراهية وحملات تشهير وتحريض ممنهجة، شملت اتهامات بالعمالة ونقل الإحداثيات، والتحريض على العنف، والتهديد بالقتل، في بيئة وصفها التقرير بأنها شديدة العدائية تجاه الصحافة.
وقال التقرير إن قوات عسكرية وأجهزة أمنية وشرطية في عدد من الولايات تورطت في انتهاكات جسيمة في حق الصحفيين.
ورصد التقرير استخداماً واسعاً للقانون الجنائي لتجريم العمل الصحفي، عبر توجيه تهم ذات طابع سياسي وأمني خطير بحق صحفيين وصحفيات رافضين للحرب وداعين للتحول الديمقراطي، معتبراً ذلك توظيفاً مباشراً للقضاء لإسكات الأصوات المستقلة.
زيارة تورك
يرى الصحفي والمحلل السياسي محمد المختار محمد أن زيارة تورك الحالية لبورتسودان تأتي في إطار محاولة سلطة الإخوان إخفاء حقيقة الانتهاكات وتوجيه أنظار المجتمع الدولي بعيدا عنها، مشيرا إلى أن سلطة بورتسودان تقبل بمثل هذه الزيارات البروتوكولية في حين أنها ترفض بشكل قاطع دخول بعثة تقصي الحقائق التي تشكل المهمة الأساسية لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
ويوضح المختار: “سعت سلطة بورتسودان خلال الفترة الماضية لإخفاء جرائم القصف الجوي ضد المدنيين، أو الاعتقالات التعسفية للناشطين، من خلال فرض قيود على حركة مسؤولي حقوق الإنسان وحصر لقاءاتهم في أطر رسمية وطرد بعضهم للضغط على المنظمة”.
ويضيف المختار لموقع “سكاي نيوز عربية”: “تورك يتحرك بشكل بروتوكولي بطيئ في ظل الافتقار لآلية تنفيذية، حيث تفتقر مفوضية حقوق الإنسان الأنياب القانونية”.





