خاصمتى يكون “اللاقرار” الخيار المالي الأذكى؟في عالم المال والاستثمار، قد يبدو الامتناع عن اتخاذ أي قرار، نوعاً من التردد أو الخوف، حيث ينظر الكثيرون إلى هذا الخيار، على أنه قرار خاطئ يقود إلى تفويت الفرص المالية أو الإضرار بالأهداف طويلة الأجل، فالنجاح المالي بنظر هؤلاء، يرتبط بالتحرك المستمر واتخاذ القرارات بسرعة.ولكن الحقيقة قد تكون مغايرة، فخبراء التمويل السلوكي يؤكدون أن التريّث يمثل أحياناً الخيار الأكثر حكمة، خصوصاً في ظل التقلبات السريعة في الأسواق وغياب المعلومات الكاملة، حيث أن الامتناع عن اتخاذ أي إجراء يتحول هنا إلى أداة استراتيجية لتفادي الأخطاء المكلفة.
حكمة بافيت
وقد أثبت التاريخ المالي مراراً أن أعظم الثروات لم تُبنَ فقط من خلال البيع والشراء، بل من خلال الصبر والقدرة على مقاومة صخب الأسواق واندفاعاتها اللحظية، إذ يصبح “عدم اتخاذ القرار” بمثابة درع دفاعي يحمي المحفظة من الانفعالات والمبادرات العاطفية التي قد تكلف المستثمر كثيراً، وهذا يجسد المبدأ الذهبي الذي طالما نادى به رواد الاستثمار طويل الأجل، مثل وارن بافيت الذي يقول إن السوق هي أداة لنقل الأموال من غير الصبورين إلى الصبورين.
وتُظهر دراسات في التمويل السلوكي، أبرزها أبحاث دانييل كانيمان وأموس تفيرسكي، أن المستثمرين يميلون إلى الانجراف وراء الانحيازات المعرفية مثل الإفراط في الثقة، والخوف من الخسارة، وتأثير القطيع، حيث تدفع هذه الانحيازات الأفراد إلى المبالغة في تقدير قيمة الفرص القائمة أمامهم، أو إلى التردد في التخلي عن صفقات غير مجدية، بما يحوّل السلوك الاستثماري إلى قرارات اندفاعية ذات كلفة مالية مرتفعة.
أسواق غير عقلانية
إضافة إلى ذلك، تُظهر الأبحاث أن الأسواق المالية لا تتحرك دائماً وفق منطق عقلاني أو مسارات قابلة للتنبؤ، بل تبقى شديدة الحساسية للأخبار غير المكتملة، والصدمات الجيوسياسية المفاجئة، والتحولات في السياسات النقدية. وفي مثل هذه البيئات المضطربة، يرفع أي قرار متسرّع من احتمالات تكبّد الخسائر أو الدخول في أصول مبالغ في تقييمها، بينما يمنح التريّث مساحة للمستثمر لالتقاط مزيد من المعطيات، وتحليلها بهدوء، واتخاذ قرارات أكثر اتزاناً وواقعية، إلا أن مفهوم “الفرص الضائعة الوهمية” أو Illusion of Lost Opportunities، الذي يخلق لدى المستثمر شعوراً بأنه سيخسر فرصة مميزة إذا لم يتحرك فوراً، هو من أبرز الأخطاء الإدراكية التي تدفع المستثمرين إلى الإفراط في النشاط المالي دون مبرر موضوعي.
صبر المستثمر يصنع الفارق
كما تُظهر العديد من الأبحاث الأكاديمية ودراسات التمويل السلوكي، أن المحافظ الاستثمارية الخاملة، أو تلك التي تُركت دون تدخل متكرر من أصحابها، حققت في كثير من الحالات عوائد فاقت بشكل ملحوظ المحافظ التي تخضع لإدارة نشطة ومكثفة، مما يعزز فرضية “ضريبة النشاط المفرط”. كما تدعم أبحاث جامعة كاليفورنيا (بيركلي) هذا التوجه، حيث أظهرت أن الرجال يتداولون بمعدل 45 في المئة أكثر من النساء، مما أدى إلى خفض عوائدهم الصافية بنسبة 2.65 في المئة سنوياً مقارنة بالنساء اللواتي يملن إلى تبني استراتيجيات أكثر صبراً والاحتفاظ بالأصول لفترات زمنية أطول.
وفي سياق علمي آخر، أظهرت دراسة أجرتها جامعة شيكاغو حول الاستثمار طويل الأجل، أن المحافظ التي اعتمدت على استراتيجيات الانتظار المدروس، كانت أقل عرضة لتقلبات السوق وأكثر قدرة على تحقيق عوائد مركبة مستقرة على المدى الطويل، وهذا يوضح أن مبدأ “عدم اتخاذ القرار” ليس خمولاً أو ضعفاً، بل أداة استراتيجية قائمة على الوعي بالمخاطر والتحكم بالعاطفة.
مخاطر القرارات المبكرة
ويقول الخبير في الإدارة المالية حسان حاطوم، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إنه من الناحية المالية، يتحوّل الامتناع عن اتخاذ أي قرار، إلى الخيار الأمثل عندما تكون المخاطر غير قابلة للتسعير بدقة، ففي فترات التحولات الكبرى، مثل تغيّر مسار السياسات النقدية، أو الدخول في دورات اقتصادية غير مكتملة المعالم، أو عند ظهور ابتكارات تكنولوجية لم تنضج معالمها بعد، تكون الأسعار في كثير من الأحيان انعكاساً للتوقعات أكثر من كونها انعكاساً للقيمة، وبالتالي فإن إتخاذ أي قرار استثماري في هذه الظروف يوقع المستثمر في رهانات غير متكافئة، لافتاً في هذا السياق إلى ما حدث في عام 2021 عندما أعلن مارك زوكربيرغ عن ضخ مليارات الدولارات في استثمارات “الميتافيرس”، ودخلت السوق حينها في موجة مضاربة واسعة النطاق بفعل أجواء التفاؤل، إلا أن “الميتافيرس” ما زال بعيداً عن توليد الأرباح حتى هذه اللحظة.
ويضيف حاطوم، إن عدم اتخاذ قرار يُعد خياراً جيداً عندما تكون تكلفة الخطأ أعلى من تكلفة الانتظار، ففي الاقتصاد المالي، لا تُقاس القرارات فقط بالعائد المتوقع، بل بما يُعرف بـ Expected Regret أو الندم المتوقع، حيث أنه في بيئات عالية التقلب، يكون الخطأ الواحد كفيلاً بمحو سنوات من العوائد، بينما لا يترتب على الانتظار في معظم الحالات، سوى تكلفة فرصة يمكن تعويضها لاحقاً، وهذا ما يفسر لماذا تحتفظ المؤسسات الاستثمارية الكبرى، بنسب سيولة مرتفعة في فترات الضبابية، رغم أن السيولة لا تحقق عائداً مباشراً.
القيمة قبل الزخم
وبحسب حاطوم فإن أفضلية عدم اتخاذ قرار تظهر أيضاً عندما تكون الأسواق مدفوعة بالزخم لا بالأساسيات، فالبيانات التاريخية تُظهر أن الدخول في الأسواق خلال فترات النشوة الجماعية يؤدي إلى عوائد أقل على المدى الطويل، لأن المستثمر يدفع “علاوة التفاؤل” في سعر الأصل، وفي هذه الحالات يكون الامتناع عن الشراء ليس تفويتاً لفرصة، بل رفضاً لدفع سعر غير عادل، وهذا ما ينسجم مع فلسفة الاستثمار القيمي التي ترى أن غياب الفرص الجيدة هو بحد ذاته معلومة استثمارية.
الفرق بين الكسل والانتظار المدروس
من جهته يقول المحلل المالي محمد أبو الحسن، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إنه عندما نتحدث عن مفهوم عدم اتخاذ قرار في عالم الاستثمار، من الضروري أن نفرّق بوضوح بين الكسل الاستثماري والامتناع الواعي عن الفعل، فالامتناع الواعي ليس فراغاً في القرار، بل هو خيار متعمد يُبنى على فهم عميق للسوق، ووعي بحدود قدرتنا على التنبؤ بالمستقبل المالي، في حين أن الكسل الاستثماري هو حالة سلبية تتسم بعدم التحرك لتعذر وجود خطة أو استراتيجية واضحة، وفي هذه الحالة يبقى المستثمر ساكناً لأنه لا يريد مواجهة المسؤولية وليس لأنه يرى أن الانتظار سيحقق ميزة.
نتيجة الكسل الاستثماري
ويشرح أبو الحسن أن النتيجة العملية للكسل الاستثماري، غالباً ما تكون ضياع الفرص الحقيقية، والتورط في محافظ استثمارية غير متوازنة، أو حتى تفويت لحظات نمو مهمة للأسواق، فالأبحاث المرتبطة بالتمويل السلوكي، تؤكد أن المستثمرين الكسالى يميلون إلى الاحتفاظ بأصولهم دون تعديل أو مراجعة حتى عندما تشير البيانات إلى ضرورة إعادة التوازن، مما يقلل العوائد ويزيد المخاطر على المدى الطويل.
ويضيف أبو الحسن أن الامتناع الواعي عن اتخاذ القرار، على العكس من الكسل، يمنح المستثمر فرصة لمراقبة تطورات السوق بعقلانية، وتحديد اللحظة المثلى للتحرك، مشدداً على أن المستثمر الذي يمارس الانتظار المدروس، غالباً ما يحقق عوائد مركبة أفضل، ويقلل من تعرض محفظته لتقلبات حادة، مقارنة بمن يهرول لإجراء صفقات متكررة دون خطة واضحة.
أخبار شائعة
- الشيباني يبحث "محاسبة الأسد" مع رئيسة الجنائية الدولية
- مصر.. بيان رسمي بعد "غياب الأمطار وارتفاع درجات الحرارة"
- متى يصبح الامتناع عن اتخاذ قرار أفضل خيار مالي؟
- حماس تعلن شروطا لقوات حفظ السلام في غزة
- مؤتمر ميونيخ للأمن يناقش "أزمة المياه"
- مسؤول أميركي: طرفا حرب السودان مسؤولان عن إيصال المساعدات
- تحديد زمان ومكان الجولة الثانية من مفاوضات واشنطن وطهران
- مفاجأة.. الذكاء الاصطناعي استخدم في القبض على مادورو





