خاصكيف تلقي الحرب في إيران بظلالها على آفاق الاقتصاد العالمي؟تلقي الحرب في إيران بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، مع تصاعد المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة في منطقة تمثل قلب النفط والغاز العالمي.تتأرجح الأسواق بين سيناريوهات التفاؤل المحدود، الذي يفترض انتهاء الحرب واستمرار إنتاج النفط والغاز وتدفق الشحنات عبر مضيق هرمز، وسيناريوهات المخاطر المرتبطة بطول أمد الصراع، وبما قد يؤدي إلى صدمة حقيقية في الأسعار والتضخم.
وفي هذا السياق، يراقب صناع السياسات الاقتصادية عن كثب الأوضاع الجارية، إذ تشير التقديرات إلى أن أي تمديد للنزاع أو تعطيل خطوط الإمدادات بصورة أطول سيؤثر مباشرة على التضخم وأسعار الفائدة والإنفاق الاستهلاكي والاستثمار التجاري.
ويحذر صندوق النقد الدولي وخبراء الأسواق من أن استمرار الاضطرابات قد يحوّل المخاطر الجيوسياسية إلى أزمة اقتصادية أوسع، مع تأثيرات ملموسة على الاقتصادات الكبرى في أوروبا وشرق آسيا.
ويتوقف حجم الضرر على مدى اتساع النزاع، ومدى قدرة المنطقة على الحفاظ على تدفق الطاقة، وما إذا كانت الضغوط ستؤدي إلى موجة تضخمية حادة أو تباطؤ عالمي للنمو الاقتصادي.
سيناريوهات أساسية
بحسب تقرير لـ “نيويورك تايمز” فإن:
السيناريو الأكثر تفاؤلاً للاقتصاد العالمي يتمثل في انتهاء الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط في غضون أسابيع قليلة. وتستمر المنطقة في إنتاج النفط والغاز. وتستأنف حركة الملاحة في مضيق هرمز، مما يحول دون حدوث صدمة لإمدادات الطاقة العالمية. ويتلاشى الخوف من التضخم.
لكن الخبراء حذروا من أي شعور متسرع بالاطمئنان؛ فالقصف الأميركي والإسرائيلي لإيران، والردود الإيرانية في جميع أنحاء المنطقة، أطلق العنان لمخاطر تشكل تهديداً كبيراً للاقتصاد العالمي.
تركزت المخاوف الأكثر إثارة للقلق على احتمال لجوء الحكومة الإيرانية، التي باتت على حافة الانهيار، إلى رد فعل أكثر شراسة، متقبلةً احتمال تكثيف قصف أراضيها كثمن لمواصلة القتال. يتضمن رد الفعل ذلك إلحاق الضرر بقدرة قوى إقليمية على إنتاج النفط والغاز.
ويضيف التقرير أن أي حدث يُطيل أمد النزاع أو يُهدد مصادر النفط والغاز من شأنه أن يرفع أسعار الطاقة إلى مستويات تُؤدي إلى التضخم. وقد يدفع ذلك البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم إلى رفع أسعار الفائدة، مما يزيد من تكاليف الرهن العقاري وقروض السيارات وغيرها من القروض. وهذا بدوره سيُعيق الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار التجاري، وهو مسارٌ كلاسيكيٌّ للركود الاقتصادي.
ويضيف التقرير:
يُشكل مصير الطاقة المنتجة في الشرق الأوسط ، مصدر 30 بالمئة من نفط العالم و17 بالمئة من غازه الطبيعي ، محور الاهتمام في الوقت الراهن.
أي اضطراب في هذا التدفق سيؤدي حتماً إلى مشاكل في أكبر الدول المستوردة للطاقة في العالم، وهي اقتصادات رئيسية في شرق آسيا وأوروبا.
كلما واجه العالم أسباباً جديدة للقلق بشأن الوصول إلى نفط الشرق الأوسط، تعود المقارنات إلى أزمة سبعينيات القرن الماضي.
تصاعد الاضطرابات
يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
إن تصاعد الاضطرابات في الشرق الأوسط بدأ يترك بالفعل تداعيات واضحة على الاقتصاد العالمي.
حجم التأثير سيظل مرهوناً بمدة استمرار الصراع ومدى اتساع اضطرابات أسواق الطاقة.
أسعار النفط شهدت ارتفاعاً مع تصاعد التوترات حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية.. خام برنت يتداول عند مستويات مرتفعة، وسط تحذيرات من إمكانية صعود الأسعار إلى نطاق 90–100 دولار للبرميل إذا استمرت الاضطرابات.
هذا السيناريو من شأنه أن يضغط سلباً على معدلات التضخم عالمياً.
ويُبيّن أن بقاء الأسعار قرب مستوياتها الحالية قد ينعكس بارتفاع طفيف في التضخم، إلا أن استمرار نقص الإمدادات لفترة أطول قد يدفع التضخم للارتفاع بعدة أعشار من النقطة المئوية في الاقتصادات الكبرى، مع تقليص متزامن في توقعات النمو بالنسبة ذاتها تقريباً.
ويشير إلى أن محافظي البنوك المركزية يراقبون التطورات عن كثب، لافتاً إلى أن كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي حذر من أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى موجة تضخمية حادة وتباطؤ في النشاط الاقتصادي، وهو ما دفع الأسواق إلى تقليص رهاناتها على خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
ويختتم بالقول إن:
السيناريو الأساسي في الأسواق يفترض بقاء الصراع ضمن نطاق محدود، مع تأثيرات طفيفة على النمو العالمي.
لكن في حال تعطل تدفق الطاقة لأسابيع أو أكثر، فقد يواجه الاقتصاد العالمي صدمة سعرية واضحة في الطاقة والتضخم وتوقعات النمو، قد تكون في حجمها قريبة – وإن لم تكن مطابقة- لأزمات الطاقة التاريخية السابقة.
تحذيرات صندوق النقد
وفي السياق، حذر صندوق النقد الدولي، يوم الثلاثاء، من أن الحرب مع إيران قد تُلقي بظلالها على آفاق الاقتصاد العالمي إذا ما تسبب نزاع إقليمي مطوّل في ارتفاع حاد في أسعار الطاقة.
وقال دان كاتز، مسؤول رفيع في الصندوق، إن الحرب قد يكون لها “تأثير بالغ على الاقتصاد العالمي عبر مجموعة واسعة من المؤشرات”، مشيراً إلى التضخم والنمو الاقتصادي. وشهدت أسعار النفط والغاز ارتفاعًا ملحوظًا خلال الـ 48 ساعة الماضية منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا على إيران وسط مخاوف من انقطاع إمدادات الطاقة العالمية.
وأضاف كاتز، الذي تولى منصب نائب رئيس صندوق النقد الدولي أواخر العام الماضي بعد أن شغل منصب رئيس ديوان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت: “إن استمرار النزاع، على وجه الخصوص، هو ما سيُحدث التأثير الأكبر”.
وخلال كلمته في مؤتمر معهد ميلكن في واشنطن، قال كاتز إن الصندوق سيراقب عن كثب تأثير الحرب على أسعار الطاقة والسياحة والبنية التحتية في المنطقة. وأضاف أن اضطرابات قطاع الطاقة هي الأرجح أن يكون لها تأثير أوسع.
وتوقع الصندوق في أكتوبر أن يتباطأ النمو الاقتصادي العالمي إلى 3.1 بالمئة هذا العام، مقارنةً بـ 3.2 بالمئة في عام 2025. ويمثل هذا تحسنًا عن توقعاته السابقة، إذ لم يكن تأثير الرسوم الجمركية الأميركية ضاراً كما كان يخشى خبراء الاقتصاد.
قال كاتز إن الصندوق كان يتوقع أن يتحول عدم اليقين العالمي هذا العام من المخاوف بشأن العلاقات الاقتصادية الدولية إلى توسع الذكاء الاصطناعي، إلى أن تصاعدت التوترات الجيوسياسية خلال عطلة نهاية الأسبوع.
قلق حقيقي
من جانبه، يؤكد رئيس قسم الأسواق المالية في FXPro، ميشال صليبي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أن:
هناك قلق حقيقي من احتمال حدوث صدمة عالمية عميقة إذا تحولت الاضطرابات الجيوسياسية من مجرد علاوة مخاطر مضافة إلى الأسعار، إلى تعطل فعلي وطويل الأمد في الإمدادات وعمليات الشحن.
المنطقة المعنية تمثل ممراً حيوياً يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط والغاز عالمياً.
التوقعات الأساسية بزيادة المعروض خلال عام 2026 قد تحدّ من أثر الصدمة، لكن ذلك يبقى مشروطاً ببقاء الاضطرابات محدودة جغرافياً ومتقطعة. أما في حال اتساع نطاقها، فقد نشهد تحولات أكثر حدة في الأسواق.
ويضيف: “ما نشهده حالياً هو ارتفاع في أسعار النفط مدفوع باتساع دائرة المخاوف، حيث يتداول خام برنت عند مستويات 80 إلى 82 دولاراً للبرميل، وهو ما يعكس تسعير الأسواق لاحتمالات التصعيد واستهداف أو تهديد منشآت الطاقة وخطوط الشحن.
وينبه إلى أن هناك عدة سيناريوهات محتملة؛ أولها استمرار التوتر دون انقطاع كبير في الإمدادات، ما يُبقي الأسعار مرتفعة بفعل المخاطر وتكاليف التأمين والشحن، من دون حدوث اختناق طويل الأمد. أما السيناريو الثاني فيتمثل في انقطاع ممتد أو تهديد فعلي طويل الأمد، وعندها قد تتحول المسألة إلى صدمة إمدادات حقيقية، مع احتمال ارتفاع الأسعار إلى مستويات تتراوح بين 120 و150 دولاراً للبرميل.
ويضيف أن مجرد انتقال الاستهداف إلى البنية التحتية للطاقة من شأنه أن يرفع علاوة المخاطر بشكل كبير جداً، وهو ما يصفه بالأمر الخطير، حتى لو كان الضرر الفعلي محدوداً.
وفي ما يتعلق بالتضخم، يشدد صليبي على أن ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الشحن والتأمين سينعكس حتماً على مستويات الأسعار والأجور، سواء عبر أسعار البنزين والديزل والكهرباء، أو من خلال تكاليف النقل والتأمين. كما أن تسعير الشركات والعمال لارتفاعات دائمة في الأسعار قد يرسّخ الضغوط التضخمية.
ويختتم حديثه بالقول إن البنوك المركزية، ولا سيما في أوروبا، حذّرت من أن أي حرب طويلة الأمد قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو، مرجحاً أن تسهم التطورات الحالية في رفع معدلات التضخم بنحو نصف نقطة مئوية تقريباً، مع تأثير ملحوظ على وتيرة النمو الاقتصادي العالمي.
إيران والخليج.. هل تتوقف الضربات بعد سحب السفراء؟





