يرصد النعيمي البعد التاريخي لنظرة دول مجلس التعاون الخليجي تجاه إيران، مؤكدا أن حالة التوجس لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى فترة حكم الشاه، حيث ساد القلق من طبيعة التهديد الإيراني آنذاك.
غير أن التحول المفصلي جاء مع الثورة الإيرانية، التي استقبلتها دول الخليج بداية بنوع من التفاؤل، على أساس أنها قد تحدث تغييرا في السلوك الاستراتيجي الإيراني باتجاه مزيد من التعاون الإقليمي.
لكن هذا التفاؤل، وفق النعيمي، سرعان ما تراجع مع بروز ممارسات عملية جسدت ما وصفه بـ”التهديد الحقيقي”، خصوصا عبر سياسات تصدير الثورة خلال ثمانينات القرن الماضي، وما رافقها من أحداث وعمليات بالتوازي مع الحرب العراقية الإيرانية.
تأسيس مجلس التعاون.. استجابة لتهديد مركب
في هذا السياق، يربط النعيمي بين تصاعد التهديدات الإيرانية وتأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، معتبرا أن قيام المجلس جاء استجابة مباشرة لإدراك مبكر بخطورة هذا التهديد.
ويشير إلى أن رؤية المؤسسين قامت على وعي استراتيجي بطبيعة التحدي الإيراني، وهو ما استمر، بحسب وصفه، عبر العقود اللاحقة وصولا إلى الوقت الراهن.
ويؤكد أن مسار التهديد لم يتوقف، بل شهد محطات متعددة تعكس استمرارية هذا الخطر، الذي بات اليوم أكثر وضوحا من خلال مجموعة من الملفات، تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والتدخلات الإقليمية، بوصفها أدوات عملية وتجليات مباشرة للتهديد الإيراني تجاه دول الخليج.
قراءة في تصريحات قرقاش
في تفسيره لتصريحات أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، يشدد النعيمي على أنها لا تمثل موقفا طارئا، بل هي امتداد لتراكم طويل من الرؤى الخليجية تجاه إيران.
ويبرز في هذا الإطار سعي دول الخليج المستمر، بحكم الجغرافيا، إلى تغليب مسار التعاون، استنادا إلى ما يجمعها مع إيران، إلا أن الوقائع الميدانية، وفق تحليله، أثبتت صواب المخاوف الخليجية المبكرة.
ويخلص إلى أن المرحلة الحالية تمثل انتقالا نحو تعاون خليجي أكثر وضوحا وملموسية في مواجهة هذا التهديد، في ضوء ما وصفه بتجلي الخطر الإيراني بشكل صريح.
فقدان البوصلة واستراتيجية الضغط
ينتقل النعيمي إلى تحليل السلوك الإيراني الراهن، معتبرا أن كثافة الصواريخ والطائرات المسيرة الموجهة نحو دول الخليج، مقارنة بطبيعة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تعكس ما وصفه بفقدان البوصلة لدى النظام الإيراني.
غير أنه يربط هذا السلوك أيضا باستراتيجية ضغط واضحة، تستهدف دول الخليج لدفعها إلى التأثير على الولايات المتحدة وإسرائيل، مع تركيز خاص على دولة الإمارات بوصفها نموذجا اقتصاديا متقدما وقادرا على التأثير.
المصير المشترك.. مرتكز الاستراتيجية الخليجية
يضع النعيمي مفهوم “المصير المشترك” في صلب البناء الاستراتيجي لدول مجلس التعاون، معتبرا أنه الركيزة الأساسية التي تميز التجربة الخليجية.
ويضيف إلى ذلك عناصر أخرى، مثل العقد الاجتماعي وتجانس أنظمة الحكم، بما يجعل تهديد أي دولة خليجية بمثابة تهديد لبقية الدول.
وفي مقابل هذا المرتكز، يميز بين ما يسميه العوامل المساعدة كالعادات والتقاليد والروابط التاريخية، مؤكدا أنها تبقى عوامل داعمة وليست أساسا في بناء الموقف الاستراتيجي.
وفي قراءته للموقف العربي والإسلامي، يلفت النعيمي إلى وجود خلط بين القضايا، خصوصا بين المواقف من إسرائيل والتهديد الإيراني المباشر لدول الخليج.
ويرى أن الاعتماد على البعدين العربي والإسلامي بوصفهما مرتكزا رئيسيا أثبت محدوديته، معتبرا أنهما أقرب إلى عوامل مساعدة تتأثر بالعاطفة أكثر من اعتمادها على أسس استراتيجية.
ويشير إلى ما يراه غيابا لموقف حازم تجاه الهجمات الإيرانية، مقابل حضور مواقف نقدية تجاه أطراف أخرى، معتبرا أن هذا التباين يعكس خللا في ترتيب الأولويات.
نحو إعادة صياغة استراتيجية اليوم التالي
يختتم النعيمي حديثه بالدعوة إلى إعادة قراءة استراتيجية شاملة لمرحلة ما بعد الحرب، مشددا على أهمية أن تبادر دول مجلس التعاون إلى رسم ملامح المستقبل بنفسها، دون انتظار الآخرين.
ويؤكد أن التركيز يجب أن ينصب على بناء علاقات استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والمرتكزات الواضحة، بصرف النظر عن التصنيفات التقليدية المرتبطة بالانتماء العربي أو الإسلامي، مع الإبقاء على هذه الأبعاد كعوامل داعمة وليست محددة للمسار.
وفي هذا الإطار، يبرز مجددا مفهوم الاعتماد على الذات، بوصفه الخيار الأكثر واقعية في ظل التحولات الراهنة، معتبرا أن التجربة الخليجية أظهرت قدرة على قراءة المشهد بقدر أعلى من النضج، والاستعداد لرسم مسارات المستقبل بشكل مستقل.





