خاصباب المندبلم يعد الحديث عن “مضيق باب المندب” مجرد نقاش في الجغرافيا المائية، بل أصبح محوراً رئيسياً في لغة الأرقام وتوقعات النمو العالمي.فهذا الممر، يمثل العصب الحيوي لتدفق نحو 10 بالمئة من إجمالي التجارة العالمية المنقولة بحراً، وقرابة 8.8 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية يومياً، مما يجعله المحرك الخفي لأسعار السلع وتكاليف الطاقة من آسيا إلى قلب أوروبا.
إن أي اهتزاز في استقرار الملاحة بهذا الممر لا ينعكس فقط في تأخير جداول التسليم، بل يمتد أثره ليشكل ضغطاً تضخمياً على سلاسل الإمداد العالمية، ويجبر شركات الشحن على سلوك طرق أطول وأكثر كلفة، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبارات قاسية لمدى مرونته في مواجهة الأزمات.
وفي ظل هذا المشهد الاقتصادي المتوتر، تبرز تساؤلات ملحة ترسم ملامح المرحلة المقبلة وأبرزها، زيادة الاضطرابات في ممرات الشحن هل تسرع من بلوغ برميل النفط مستويات المئتين دولار؟ وما تداعيات تعطل الملاحة في باب المندب على سلاسل الإمداد؟، وكيف يؤثر توتر باب المندب على مستقبل نمو التجارة العالمية؟
وفي التفاصيل، لا يمكن فصل اضطرابات باب المندب عن استقرار مضيق هرمز، فهما يشكلان معاً الشريان الأبهر لتدفقات النفط العالمي. وبحسب تصنيف إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) في تقريرها الدوري حول “نقاط اختناق عبور النفط العالمي”، يحتل باب المندب المرتبة الثالثة عالمياً بعد مضيقي هرمز وملقا من حيث حجم التدفقات.
وتشير بيانات الـ EIA إلى أن كميات النفط والمنتجات المكررة المارة عبر المندب قفزت إلى نحو 8.8 مليون برميل يومياً في النصف الأول من عام 2023. أغلبها للمستثمرين الكبار في آسيا، وفي حال تقاطع التوتر في باب المندب مع أي اضطراب في مضيق هرمز، فإن العالم يواجه سيناريو “الإغلاق المزدوج”، وهو ما دفع محللين في بنوك استثمارية كبرى للتحذير من أن وصول سعر البرميل إلى مستويات 200 دولار ليس مجرد توقع تشاؤمي، بل هو انعكاس لـ “علاوة مخاطر” غير مسبوقة ناتجة عن تعطل المسارات التقليدية لقرابة ثلث إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.
وبحسب “ماكواري غروب” (Macquarie Group) ، إذا استمرت حرب إيران حتى يونيو، مع بقاء مضيق هرمز مغلقاً قد ترتفع أسعار النفط إلى مستوى قياسي يبلغ 200 دولار للبرميل. وكتب محللون، من بينهم فيكاس دويفيدي، في مذكرة أن امتداد الصراع إلى الربع الثاني قد يدفع الأسعار الحقيقية إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، في سيناريو يمنحونه احتمالاً عند 40 بالمئة.
هل يحرك الحوثي حرب الممرات البحرية؟سلاسل الإمداد واختبار مرونة التجارة العالمية
ويمر عبر باب المندب نحو 13 بالمئة من إجمالي التجارة العالمية، وهي نسبة تؤكدها تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، إن تحويل مسار السفن بعيداً عن البحر الأحمر نحو طريق “رأس الرجاء الصالح” يفرض واقعاً اقتصادياً يتسم بـ: تآكل دورة رأس المال: فإضافة 10 إلى 14 يوماً من الإبحار تزيد من تكاليف التشغيل والوقود بنسبة تصل لـ 40 بالمئة، وفقاً لتقديرات غرفة الشحن الدولية (ICS) .
كما أن تأخر وصول الحاويات (خاصة للإلكترونيات والسلع الاستهلاكية) يرفع أسعار السلع النهائية، مما يهدد مستقبل نمو التجارة العالمية ويضع ضغوطاً إضافية على سلاسل التوريد المنهكة أصلاً.
وعلى الصعيد الإقليمي، يشكل باب المندب “المغذي الملاحي” الوحيد لقناة السويس من جهة الجنوب. وتؤكد تقارير هيئة قناة السويس أن أي تراجع في حركة العبور عبر المندب ينعكس فوراً وبشكل سلبي على إيرادات القناة من العملة الصعبة. هذا الارتباط العضوي يجعل من استقرار باب المندب ضرورة قصوى ليس فقط لاستقرار أسعار النفط، بل لاستقرار الموازنات الاقتصادية لدول المنطقة التي تعتمد على رسوم العبور كركيزة أساسية لدخلها القومي.
ما مدى أهمية مضيق باب المندب؟
في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” قال الخبير الاقتصادي علي حمودي: “يُعتبر مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم، بل إنه يُضاهي مضيق هرمز في أهميته. لذلك، وعلى الرغم من أن الحوثيين من غير المرجح أن يفرضوا حصاراً كاملًا على مضيق باب المندب، إلا أنه لا ينبغي الاستهانة بقدرتهم على تعطيل الملاحة بشكل مستمر. فإذا ما تصاعد الوضع، قد يواجه هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية مخاطر ملاحية جسيمة، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على سلاسل التوريد الدولية وأمن التجارة العالمية.
وأوضح حمودي “أن التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط أدت مجدداً إلى اضطراب الأسواق العالمية. ففي وقت سابق من تداولات الإثنين، شهدت أسواق آسيا والمحيط الهادئ انخفاضاً عاماً، بينما افتتحت أسعار خام برنت على ارتفاع، وتجاوزت في وقت من الأوقات 116 دولاراً للبرميل. وقد شهدنا بالفعل قفزة في سعر خام برنت بنسبة 59 بالمئة في مارس، مسجلةً بذلك أكبر ارتفاع شهري على الإطلاق”.
وذكر أنه “بعد إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز لمدة شهر، بدأت تظهر مخاطر الملاحة المحتملة في مضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي آخر في التجارة البحرية العالمية. ويُعد ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية في الشرق الأوسط. ومن المعروف أن الملاحة عبر باب المندب بالغة الصعوبة، حيث يبلغ عرضه في أضيق نقطة 29 كيلومتراً فقط. وتمر عبر هذا المضيق ما بين 10 و12 بالمئة من شحنات النفط والغاز الطبيعي العالمية”.
في حين أن إغلاق مضيق هرمز سيؤثر بشكل أساسي على قطاع الطاقة، يرى الخبير الاقتصادي حمودي أن تعطيل حركة الملاحة في باب المندب، ستكون له تداعيات أوسع على تجارة السلع العالمية، وسيُلحق ضرراً أكبر بقطاعي الشحن والتأمين الدوليين. وأضاف: “لو أُغلق مضيق باب المندب، لكانت السفن ستُجبر على تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، مما سيرفع تكاليف الشحن وأقساط التأمين وأوقات التسليم بشكل كبير”.
لذا، فإن تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب يُجبر السفن على تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا، مما يُضيف من 10 إلى 15 يوماً إلى رحلاتها. وهذا يُسبب اختناقات حادة في سلاسل التوريد، بما في ذلك ارتفاع أسعار الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، وتأخير التسليم في التجارة بين آسيا وأوروبا، مما يُؤدي في نهاية المطاف إلى تفاقم التضخم وتقليل الطاقة الاستيعابية للشحن، بحسب حمودي.
إيران تزج بالحوثي في الحرب.. هل باب المندب الورقة الأخيرة؟الآثار الرئيسية على سلاسل التوريد
وتحدث حمودي عن الآثار الرئيسية على سلاسل التوريد وفقاً لما يلي:
تغيير المسار والتأخير: يتطلب تجنب قناة السويس قطع مسافة إضافية تزيد عن 3500 ميل بحري، مما يُؤخر وصول البضائع بشكل كبير، ويؤثر على التصنيع في الوقت المناسب، ويؤدي إلى نقص في المخزون.
ارتفاع التكاليف: تواجه شركات الشحن زيادات هائلة في التكاليف، بما في ذلك ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بمقدار 20 ضعفًا، وتكاليف وقود إضافية تُقدر بنحو…
الأثر الاقتصادي: يؤثر عدم الاستقرار بشدة على التجارة الأوروبية، مما يتسبب في ارتفاع أسعار الواردات ويهدد بتفاقم التضخم في أوروبا والمملكة المتحدة، بل وفي الولايات المتحدة والعالم أجمع.
وخلص حمودي إلى أن حصار أو إغلاق مضيق باب المندب سيوجه ضربة مزدوجة لسلاسل إمداد الطاقة والخدمات اللوجستية العالمية، وسيحد بشكل كبير من النمو الاقتصادي العالمي.





