ووفق المراقبين لا تعكس هذه الازدواجية مجرد تناقض سياسي، بل تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول طبيعة النظام ذاته، وحدود مصداقية خطابه الأيديولوجي، في وقت يعاني فيه المواطن الإيراني من أزمات اقتصادية خانقة، وتراجع مستمر في مستوى المعيشة والبنية التحتية.
أرقام تكشف التناقض
في يونيو 2022، أعلن مرتضى ميريان، رئيس قسم العمليات البرية في الحرس الثوري، خلال برنامج تلفزيوني، أن “أربعة آلاف” من أبناء مسؤولي النظام الإيراني يعيشون في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا.
كما تشير تقارير استقصائية تعود إلى عام 2019 إلى أن عددا كبيرا من أبناء قيادات الحرس الثوري ومسؤولي وزارة الاستخبارات يحملون إقامات دائمة أو جنسيات غربية، في وقت يواجه فيه المواطن الإيراني العادي قيودا صارمة حتى على تحويل مبالغ مالية محدودة إلى الخارج.
حملة تكشف “الوجه الآخر”
وبعد القمع الدموي لمظاهرات يناير 2026، تصاعدت حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، قادها مهاجرون إيرانيون ونشطاء حقوقيون، ركزت على تسليط الضوء على أبناء المسؤولين المقيمين في الخارج.
واستهدفت الحملة ما وصفته بـ”التناقض الهيكلي” بين خطاب النظام المعادي للغرب، وحياة النخبة الحاكمة، حيث يدرس أبناؤهم في جامعات مرموقة ويعيشون في مجتمعات لطالما وصفت رسميا بأنها “فاسدة ومعادية”.
كما حملت الحملة رسالة إلى الداخل الإيراني، خصوصا للفئات التي لا تزال تتبنى الرواية الرسمية، في محاولة لكشف الفجوة بين الشعارات والواقع.
“جنة الشيطان الأكبر”
وتضم قوائم نشرتها تقارير معارضة أسماء بارزة من أبناء المسؤولين المقيمين في الخارج، من بينهم ابنتا الرئيس الأسبق حسن روحاني، آزاده وتناز، المقيمتان في الولايات المتحدة والنمسا.
كما يعيش إلياس قاليباف، نجل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في أستراليا، ويظهر أحيانا في أمكان فخمة، مثل صورته التي انتشرت على يخت في إمارة موناكو، بينما حصل شقيقه إسحاق على إقامة دائمة في كندا بعد دراسته في جامعة ملبورن.
وتشمل القائمة أيضا أبناء وزير النفط الأسبق بيجان زنغنه ومنيرة علوي، ابنة وزير الاستخبارات الأسبق محمود علوي، المقيمة في سويسرا، إضافة إلى نعيمة إشراقي، حفيدة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، التي تدرس في كندا.
كما تمتد القائمة إلى أبناء مسؤولين وشخصيات سياسية بارزة مثل علي لاريجاني، ومعصومة ابتكار، ومحمد جواد ظريف، ومحمد خاتمي.
ويؤكد ناشطون أن هذه الظاهرة لا تمثل حالات فردية، بل نمطا يعكس انتقال جزء من ثروات النخبة إلى الخارج، بالتوازي مع تدهور الأوضاع داخل إيران.
من التسريبات إلى الغضب الشعبي
في مايو 2022، أثارت رحلة لعائلة قاليباف إلى تركيا لشراء منزل وملابس فيما عرف إعلاميا بقضية بوابة سيسموني جدلا واسعا داخل إيران، حيث وصفها مقربون للنظام بأنها “رحلة شخصية”، متعجبين “ألا يشتري الناس منازلهم وملابسهم بأنفسهم؟”.
غير أن هذا التبرير لم ينجح في تهدئة الغضب الشعبي، الذي رأى في الواقعة دليلا إضافيا على الفجوة بين الطبقة الحاكمة وبقية المجتمع.
مفارقة تهدد الشرعية
وحسب المراقبين لا تبدو قضية أبناء المسؤولين في الخارج مجرد ملف اجتماعي أو أخلاقي، بل تحولت إلى أحد أبرز مظاهر أزمة الشرعية التي يواجهها النظام الإيراني.
وبين شعارات “الموت لأميركا” في الداخل، و”الحلم الأميركي” في حياة النخبة، تتسع فجوة الثقة، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، قد تعيد رسم ملامح الداخل الإيراني في المرحلة المقبلة
تصعيد أمريكي.. استهداف “الدائرة القريبة”
ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، أعلنت الولايات المتحدة في 11 أبريل الجاري إجراءات مشددة استهدفت أقارب مسؤولين إيرانيين.
وشملت الإجراءات إلغاء بطاقات إقامة واحتجاز أفراد تمهيدا لترحيلهم، من بينهم عيسى هاشمي وزوجته مريم طهماسبي، وهما يعملان أستاذين جامعيين في لوس أنجلوس ويعد هاشمي نجل معصومة ابتكار، التي عرفت بدورها في أزمة السفارة الأمريكية عام 1979.
كما طالت الإجراءات أقارب قاسم سليماني قائد فيلق القدس الراحل إلى جانب ابنة علي لاريجاني وزوجها، ضمن توجه أميركي يركز على تضييق الخناق على الدائرة الاجتماعية للنخبة الحاكمة.
“نظام يبيع الوهم”
في قراءة لهذا المشهد، قال المحامي والكاتب الإيراني نظام مير محمدي إن التناقض الصارخ بين حياة البذخ التي يعيشها أبناء مسؤولي النظام في الخارج وبين المعاناة اليومية للمواطنين في الداخل، يعكس النهاية الأخلاقية والسياسية لسلطة الملالي.
وأضاف محمدي لـ”سكاي نيوز عربية”:”بينما كان خامنئي يخدع البقية الباقية من أتباعه بشعارات “الموت لأمريكا”، كان قادة نظام ولاية الفقيه يهربون ثروات الشعب المنهوبة لتأمين الحلم الأميركي لأبنائهم.
وتابع أن هذا الانفصام الاستراتيجي ليس مجرد فساد مالي، بل هو دليل على أن هذا النظام لم يؤمن يوما بالشعارات التي يرفعها، بل استخدمها كغطاء للقمع الداخلي وتصدير الإرهاب”.
وقال محمدي “في الوقت الذي يواجه فيه أبناء وطني كابوس الملالي المتمثل في الفقر المدقع، وتداعيات الحرب الخارجية التي جلبها النظام بسياساته المدمرة، يعيش أبناء النخبة الحاكمة في واشنطن ولوس أنجلوس والمدن الأوروبية بحرية كاملة، مستفيدين من قيم الديمقراطية التي يسحقها آباؤهم في شوارع طهران”.
وأضاف “لقد انتهى عهد التضليل وإن الشعب الإيراني يرى اليوم بوضوح كيف أن ثروات البلاد التي كان يجب أن تصرف على الملاجئ، والخدمات الصحية، وتطوير البنى التحتية، قد تبددت بين آلة الحرب المنهارة وبين الحسابات البنكية لأبناء المسؤولين في الغرب وأن هذا التفاوت الطبقي والمادي هو وقود الانتفاضة القادمة التي لن تبقي ولن تذر من أركان هذا النظام المتهالك”.
وشدد “أن شعارات النظام الجوفاء لن تستطيع ترميم شرعيتهم المفقودة ولا ثرواتهم في الخارج ستحميهم من السقوط الحتمي.
تشريعات مؤجلة.. وأزمة مستمرة
من جانبه، يرى المحلل الإيراني أراش عزيزي أن قضية أبناء المسؤولين في الخارج تحولت منذ 2019 إلى ملف سياسي داخلي والبرلمان الإيراني ناقش مشاريع قوانين لمنع أقارب المسؤولين من الإقامة في دول يصنفها النظام بأنها “معادية”.
وبحسب هذه المقترحات، كان من المفترض حظر وجود أقارب من الدرجة الأولى لأي مسؤول من الوزراء إلى النواب والرؤساء في الخارج إلا أن هذه المشاريع لم تخرج للتنفيذ ما يعكس غياب إرادة سياسية حقيقية وأن هذه المقترحات والمطالبات كانت للاستهلاك المحلي لتسكين الداخل





