ويأتي هذا المسار في ظل تأكيدات رسمية وسياسية على أن مستقبل الاستقرار يرتبط بإنهاء تعدد القوى المسلحة وترسيخ سلطة الدولة على كامل الجغرافيا السورية.
وفي هذا السياق، يقدم الباحث السياسي ياسر النجار، والباحث في مركز الفرات للدراسات وليد الجولي، خلال حديثهما إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية قراءتين تتقاطعان في أولوية حصر السلاح بيد الدولة، مع اختلاف في مقاربة طبيعة التحديات التي لا تزال تعترض اكتمال هذا المسار.
الاستقرار يبدأ بإنهاء السلاح المنفلت
يربط الباحث السياسي ياسر النجار بين حادثة جرمانا وبين الحاجة الملحة إلى تثبيت الأمن، معتبراً أن تفاعل السوريين مع ما جرى يعكس التفافاً واسعاً حول مطلب الاستقرار، وأن الضمانة الحقيقية لتحقيق هذا الهدف تتمثل في سحب السلاح ومنع وجود أي سلاح منفلت أو تنظيمات تعمل خارج إطار الدولة.
ويؤكد أن السوريين، بعد 14 عاماً من الصراع وما رافقه من استهدافات نفذتها طائرات وميليشيات وجيوش، باتوا يبحثون عن مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار، بعيداً عن استمرار المواجهات. لكنه يشير في الوقت ذاته إلى وجود أطراف غير راضية عن التطورات التي تشهدها سوريا، مستشهداً بتنظيمات مدعومة من إيران وتنظيم داعش، الأمر الذي يدفع، بحسب تقديره، إلى التفاف السوريين حول الأجهزة الأمنية والقوات المكلفة بمكافحة الإرهاب من أجل حماية الأمن الداخلي.
وينطلق النجار من أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال احتكار الدولة للسلاح والسلطة بصورة مركزية، معتبراً أن استمرار وجود كيانات أو كانتونات تتعامل مع دول بصورة مستقلة عن الدولة السورية من شأنه أن يفتح الباب أمام الاضطرابات ويقوض فرص الاستقرار.
دعم إقليمي ودولي لحصر السلاح
ويؤكد النجار أن مطلب حصر السلاح لا يقتصر على الداخل السوري، بل يحظى، وفق قراءته، بدعم إقليمي ودولي واسع. ويرى أن الهدف النهائي لهذا المسار لا يقتصر على قوات سوريا الديمقراطية وحدها، وإنما يشمل جميع الجهات المسلحة، سواء في السويداء أو فلول النظام، مع التشديد على أن المقصود هو الوصول إلى مرحلة لا يبقى فيها أي سلاح خارج سلطة الدولة، باعتبار ذلك مطلباً سورياً يحظى بإسناد إقليمي ودولي.
ويضيف أن مشاركة سوريا ضمن قوات التحالف الدولية تعكس، من وجهة نظره، توجهاً نحو بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية، بما يتيح ضبط الأمن وترسيخ الاستقرار.
وفي معرض رده على المقارنات بين قوى العشائر وغيرها من التشكيلات المسلحة، يميز النجار بين واقع العشائر وبقية التنظيمات، موضحاً أن قوات العشائر لا تسيطر على مساحات جغرافية، ولا تمتلك أجساماً إدارية مستقلة، وإنما تتعامل مع مؤسسات الدولة في التعليم والصحة وسائر الخدمات.
كما يشير إلى أن ما تمتلكه العشائر يقتصر على السلاح الفردي، وهو أمر موجود في مختلف العشائر العربية، نافياً امتلاكها أسلحة ثقيلة، ومعتبراً أن ما كان متوافراً من هذا النوع من السلاح خلال فترة الثورة ارتبط بمواجهة نظام بشار الأسد آنذاك، وليس بمواجهة الدولة السورية الحالية.
قوة الدولة في شعبها
ويرفض النجار ربط قوة الدولة بتحالفاتها الخارجية، مؤكدا أن الدولة تستمد قوتها من شعبها أولا، ويستشهد بتجربة النظام السابق الذي كان، بحسب قوله، حليفاً لروسيا وإيران، ومع ذلك انتهى بسقوطه.
كما يعتبر أن تعامل الدولة مع أحداث السويداء وعدم التصعيد العسكري لا يعكس ضعفاً، وإنما قراراً يهدف إلى حماية المدنيين وتجنب إراقة الدماء ومنع التدخلات الخارجية، معتبراً أن الدولة قادرة على بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، لكنها اختارت إدارة الملف بطريقة تقلل الخسائر.
وفي السياق ذاته، يرى أن الضغوط الإسرائيلية تندرج ضمن مسار دبلوماسي، مشيراً إلى تصريحات بنيامين نتنياهو خلال زيارته الولايات المتحدة، وإلى تصريحات الرئيس أحمد الشرع التي تحدثت عن امتلاك سوريا عناصر قوة لا تقتصر على البعد العسكري.
كما يتساءل عن مطالبة الولايات المتحدة بدور سوري في لبنان ومطالبتها إسرائيل بالانسحاب منه، باعتبار ذلك يعكس، وفق رؤيته، حضوراً سورياً في المعادلة الإقليمية.
الاندماج يسير بخطوات عملية
من جانبه، يؤكد الباحث في مركز الفرات للدراسات وليد الجولي أن تعافي سوريا يقتضي أن يكون السلاح بيد الدولة، لكنه يشدد على أن الدولة الحقيقية هي التي تضم جميع مكوناتها وشرائحها تحت مظلتها.
ويرى أن الفترة التي أعقبت اتفاق التاسع والعشرين من يناير شهدت خطوات وصفها بالجادة على صعيد الاندماج، سواء على المستوى المؤسساتي أو العسكري، موضحاً أن التفاهم شمل تهيئة 4 ألوية للاندماج، بينما يبقى الإعلان الرسمي عن انضمامها إلى مؤسسات الدولة مالياً وإدارياً خطوة لازمة لاستكمال المسار.
ويؤكد الجولي أن قوات سوريا الديمقراطية، بموجب الاتفاقات المتعاقبة، أصبحت مقتنعة بضرورة أن يكون السلاح بيد الدولة، وبأهمية الاندماج داخل الجيش السوري، معتبراً أن البنود الأساسية لهذه الاتفاقات كرست قبول “قسد” بالانضمام إلى الجيش السوري المستقبلي، وأن هناك خطوات جدية لتنفيذ ذلك.
لكنه يلفت إلى أن التحديات المتبقية ترتبط بالتفاصيل التنظيمية والإدارية أكثر من ارتباطها بالمبدأ السياسي، موضحاً أن من أبرز الملفات كيفية التعامل مع المكون النسائي داخل قوات سوريا الديمقراطية، معتبراً أن هذا الملف يتجه نحو حلول تتيح قبوله ضمن تشكيلات أمنية في الحسكة وكوباني وعفرين.
كما يصف عملية دمج المؤسسات بأنها أكثر تعقيداً، بسبب اختلاف البنية الإدارية بين مؤسسات الإدارة الذاتية ومؤسسات دمشق، وهو ما يتطلب، بحسب تقديره، كوادر وآليات انتقالية لتوحيد المناهج الإدارية وفق إطار الدولة السورية.
تعقيدات داخلية وسياق دولي
ويختتم الجولي بالإشارة إلى وجود جدية لدى الحكومة السورية في استكمال هذا المسار، معتبراً أن التدخلات الخارجية، ولا سيما الدور التركي، قد تؤثر في وتيرة التنفيذ.
كما يتحدث عن وجود تباينات في شمال وشمال غرب سوريا، إلى جانب مؤشرات على عدم رضا حكومة دمشق عن بعض التحركات الخارجة عن إرادتها.
ويرى كذلك أن الملف السوري لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح مرتبطاً بتفاعلات دولية أوسع تقودها الولايات المتحدة، في ظل توجهات تستهدف إدماج سوريا ضمن منظومات اقتصادية وعقود تجارية إقليمية، وهو ما يجعل إنجاز مسار حصر السلاح والاندماج المؤسسي جزءاً من مشهد سياسي وإقليمي أكثر تعقيداً.



