لم تعد الاستراتيجية الأميركية تجاه طهران تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل انتقلت نحو “الخنق الاقتصادي” كأداة ضغط استراتيجية تهدف إلى إجبار النظام الإيراني على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات كان يعتبرها سابقاً خارج نطاق التفاوض.
انهيار مؤشرات الاقتصاد الإيراني
تشير التقديرات الميدانية إلى أن الحصار البحري يكبّد الاقتصاد الإيراني خسائر يومية تقارب 500 مليون دولار. وقد انعكست هذه الأزمة على سوق العمل بشكل حاد؛ حيث فقد 3 ملايين مواطن وظائفهم، بينما يتهدد خطر البطالة 10 ملايين آخرين. كما اتسعت رقعة الفقر لتشمل 4 ملايين إضافيين هذا العام، مما يرفع نسبة الإيرانيين المعرضين للفقر إلى 70 بالمئة.
تتوالى مؤشرات الانهيار مع إعلان إفلاس 120 شركة وإغلاق نحو 4000 منشأة صناعية، فضلاً عن تعثر ستة بنوك، وانهيار العملة الوطنية التي تجاوز فيها سعر الدولار حاجز مليوني ريال إيراني، في ظل أزمة وقود خانقة تضرب البلاد.
استراتيجية “الاستنزاف” الأميركية
يوضح نبيل العتوم، مدير برنامج الدراسات الإيرانية بمركز الدراسات الإقليمية، أن المقاربة الأميركية تقوم على ثلاثة مسارات: الانتظار والاستنزاف، والخنق الاقتصادي عبر تقييد صادرات النفط والأرصدة المجمدة، والضغط على الداخل الإيراني. ويؤكد العتوم أن واشنطن تسعى لرفع كلفة “عدم الاتفاق” لتصبح أثقل من كلفة التنازل، مشيراً إلى ضرورة توسيع العقوبات لتشمل البنوك الصينية وشبكات اقتصاد الظل والعملات المشفرة لضمان فعالية هذه الضغوط.
الضغط على “صمام الأمان” الاجتماعي
يضع العتوم الضغوط الاقتصادية في سياق حساس للغاية، لافتاً إلى أن 23 مليون إيراني باتوا يعجزون عن تأمين احتياجاتهم الأساسية. ومع إفلاس سبعة صناديق تقاعدية، يبرز قطاع البتروكيماويات – الذي يوظف 4 ملايين إيراني ويمثل 40 بالمئة من الاقتصاد غير النفطي – كهدف حيوي، حيث قد تؤدي التطورات في هذا القطاع إلى اندلاع احتجاجات في المحافظات الساحلية قبل أن تنتقل للمدن الكبرى.
الموقف الصيني ومعادلة “هرمز”
وفيما يخص الدور الصيني، يرى العتوم أن بكين تستغل التوتر الإيراني لخدمة مصالحها عبر شراء النفط بأسعار تفضيلية، مع محاولتها مقايضة هذا الملف بملفات أخرى كتايوان. ومع ذلك، يؤكد أن الصين لا تسعى لإغلاق مضيق هرمز، نظراً لتعارض ذلك مع مصالحها الاستراتيجية.
رهانات طهران ومستقبل المواجهة
في المقابل، يتبنى النظام الإيراني استراتيجيات تهدف للبقاء عبر التقشف القسري، وإدارة الموارد المحدودة لضمان استمرار المؤسسات الحيوية، مع تحميل المجتمع كلفة الصمود. ويرى العتوم أن اتساع الجغرافيا الإيرانية وشبكات الالتفاف على العقوبات يقللان من فرص نجاح الحصار البحري بشكل كامل.
ومع ذلك، تبقى “ورقة هرمز” سلاحاً ذا حدين؛ فبينما تلوح طهران بها لابتزاز العالم، تراهن واشنطن على استمرار الضغط الاقتصادي لجرّ طهران نحو اتفاق بشروط أكثر صراحة، محذراً في الوقت ذاته من أن النظام قد يلجأ إلى “الورقة الانتحارية” إذا شعر بأنه لم يعد لديه ما يخسره.
