أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة إلى تغييرات جذرية في استراتيجيات المستثمرين الأفراد داخل دولة الإمارات، حيث تحول التركيز من السعي وراء العوائد السريعة إلى تبني منهجيات أكثر حذراً تهدف إلى حماية رأس المال وتنويع المخاطر، مع الحفاظ في الوقت ذاته على فرص النمو طويلة الأمد.
وأشار خبراء السوق إلى أن المستثمرين لم ينسحبوا كلياً من الأسواق عالية المخاطر، بل عمدوا إلى إعادة توزيع محافظهم المالية لتشمل مزيجاً من الذهب، وأدوات الدخل الثابت، والأسهم المحلية والعالمية، والعقارات، إلى جانب العملات، مع إبقاء نسبة محدودة للأصول الرقمية. وقد برز الذهب كأداة تحوط أساسية، في حين حظي النفط والدولار باهتمام متزايد نظراً لاستخدامهما في التحوط أو الاستفادة من تقلبات الأسعار قصيرة المدى.
توجهات استثمارية مدروسة
أوضحت رزان هلال، محللة الأسواق، أن الاقتصاد الإماراتي يتمتع بمرونة عالية بفضل جهود التنويع الاقتصادي وتحسن الأرصدة المالية، مؤكدة أن أسعار النفط المرتفعة تخدم الإيرادات الحكومية وتدعم خطط الاستثمار المستدامة. وأضافت أن النصف الثاني من عام 2026 سيظل متأثراً بالقوى الجيوسياسية التي تتحكم في أسعار الطاقة والممرات التجارية، مشيرة إلى أن أسواق الإمارات تبدو في وضع أفضل نسبياً للتعامل مع هذه التحولات، حيث يحافظ مؤشر “MSCI الإمارات” على مساره الإيجابي منذ عام 2023.
من جانبه، أكد لويس غاي ديتاتا، مؤسس «يو إيه إكس أو»، أن كبار المستثمرين يتبنون حالياً منهجية مؤسسية ناضجة، حيث يقومون بإعادة تقييم محافظهم وزيادة مستويات السيولة للبحث عن فرص تكتيكية ناتجة عن عدم كفاءة التسعير في الأسواق. وأشار ديتاتا إلى أن الاستثمارات تركز حالياً على التنويع الجغرافي، والتخطيط الضريبي العابر للحدود، وتعزيز مرونة المحافظ للاستقرار طويل الأمد.
توازن بين النمو وحفظ القيمة
بدوره، لفت أحمد عسيري، استراتيجي الأبحاث في «بيبر ستون»، إلى أن المستثمرين يوزعون محافظهم بذكاء بين أصول النمو وحفظ القيمة. وفي الوقت الذي واجه فيه الذهب تحديات تتعلق بمتوسط تحركاته منذ مطلع العام، استمرت الأسهم الأمريكية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، في جذب المستثمرين الباحثين عن النمو.
وفي السياق ذاته، أشار فادي الكردي، مؤسس ورئيس مجلس الإدارة لـ «إف إف إي»، إلى أن سلوك المستثمر الفرد في الإمارات أصبح أكثر تركيزاً على إدارة المخاطر، مع تراجع نسبي في الإقبال على الأصول عالية المخاطر. وتؤكد البيانات الأخيرة أن السلع، وفي مقدمتها الذهب والنفط، تتصدر اهتمامات الأفراد، بالتوازي مع التوجه نحو محفظة متوازنة تجمع بين الأسهم المحلية، والعقارات، والعملات، لضمان حماية الثروة واقتناص الفرص المتاحة في ظل المشهد الجيوسياسي الراهن.
