يواجه الأمن الأوروبي تهديداً وجودياً غير مسبوق، حيث لم يعد تغير المناخ مجرد قضية بيئية، بل تحول إلى أكبر تحدٍ أمني منهجي يواجه القارة، مهدداً استقرار الدول، وسلامة السكان، وكفاءة الأنظمة الحيوية في وقت واحد.

وأكد باتريك شرودر، الباحث الأول في قضايا البيئة والمجتمع بـ “تشاتام هاوس”، أن القارة الأوروبية تعيش تداعيات صيف استثنائي من حيث قسوة موجات الحر، والجفاف المستمر، والحرائق الضخمة، مشيراً إلى أن هذا الاضطراب المناخي يتجاوز الحدود الوطنية ويضرب ركائز الأمن الغذائي والمائي، ويعرقل سلاسل إمدادات الطاقة، ويفرض ضغوطاً خانقة على مرافق الصحة والطوارئ والبنية التحتية.

جبهة أمنية جديدة ومخاطر غير تقليدية

أدى الارتفاع الحاد في درجات الحرارة خلال شهر يونيو الماضي إلى وفاة نحو 10 آلاف شخص، وتدمير قرابة 9 ملايين طن من المحاصيل الزراعية. وفي سياق متصل، التهمت حرائق الغابات منذ مطلع العام الجاري أكثر من 600 ألف هكتار، مما أجبر مئات الآلاف على النزوح، كما تسبب انخفاض مستويات الأنهار في تعطيل عمليات تبريد المفاعلات النووية، مما هدد أمن الطاقة.

وحذر خبراء من أن حالة “الجفاف الشديد” تجعل الدول عرضة لهجمات غير تقليدية، حيث تحولت مساحات واسعة إلى مناطق قابلة للاشتعال السريع، مما يسهل عمليات الإشعال العمدي التي يصعب على السلطات التصدي لها، محولاً حرائق الغابات إلى أداة محتملة في يد المتطرفين أو في سياق الحروب غير المتماثلة. وقد سجلت السلطات الفرنسية اعتقال نحو 500 شخص للاشتباه بتورطهم في إشعال حرائق، في حين تسببت الضربات العسكرية الروسية في أوكرانيا -بما في ذلك هجمات بطائرات مسيرة في مايو 2026- في اندلاع حرائق في مناطق حساسة مثل تشيرنوبل.

تأثيرات على الجاهزية العسكرية

تلقي الأزمات المناخية بظلالها على القدرات العسكرية الأوروبية، حيث تضررت قواعد جوية ومطارات وشبكات نقل جراء الظروف المناخية القاسية، كما حدث في هولندا خلال أبريل الماضي. وأضحى لزاماً على القوات المسلحة تخصيص جزء متزايد من مواردها اللوجستية والبشرية لمهام مكافحة الحرائق، ودعم عمليات الإجلاء، وتأهيل البنية التحتية، وهو ما يستهلك جهداً كان موجهاً لمواجهة التهديدات الأمنية التقليدية. وقد شهد شهرا يونيو ويوليو وحدهما أكثر من 30 تدخلاً عسكرياً في أوروبا، منها نشر إسبانيا لأكثر من 1200 عسكري لمواجهة حريق واحد.

ضرورة التحرك الاستراتيجي والاستثمار

أقر تقييم الأمن المناخي الصادر عن منظمة العلوم والتكنولوجيا التابعة لحلف الناتو في يناير 2026 بضرورة تحديث خطط العمل الأمنية بشكل شامل، والربط المؤسسي بين العلماء والقيادات العسكرية وصناع السياسات. وتشير التقديرات إلى ضرورة التزام دول الاتحاد الأوروبي باستثمار 70 مليار يورو سنوياً حتى عام 2050 للتكيف مع التغيرات المناخية، بينما تحتاج المملكة المتحدة لنحو 11 مليار جنيه إسترليني سنوياً.

ويشدد الخبراء على أن هذه المبالغ، رغم ضخامتها، تظل زهيدة مقارنة بـ “فاتورة الكوارث” التي قد تصل تكاليفها المباشرة وغير المباشرة إلى أرقام فلكية. فكل يورو يُستثمر في تدابير الوقاية، كالحماية من الفيضانات، يقي من خسائر مستقبلية تتجاوز 6 يورو. لذا، بات من الضروري إعادة تعريف إجراءات التكيف المناخي لتُصنف كاستثمارات استراتيجية في الأمن القومي والاستقلالية الأوروبية، مع تسريع وتيرة إزالة الكربون لضمان عدم خروج هذه المخاطر عن نطاق السيطرة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version