تجاوزت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً حاجز الـ 5 بالمئة الأسبوع الماضي، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، مما يؤشر إلى تحولات جوهرية في أسواق الدين الدولية، وسط تزايد ملحوظ في معدلات الديون الحكومية وتراجع الطلب التقليدي على السندات.
اختلال معادلة العرض والطلب
تُظهر البيانات الراهنة تغيراً في هيكلية سوق السندات؛ فبعد أن اعتمدت لسنوات على طلب قوي من صناديق التقاعد، والبنوك، والحكومات الأجنبية التي كانت تبحث عن ملاذات آمنة، بدأت هذه الجهات في تغيير استراتيجياتها الاستثمارية. فقد اتجهت صناديق التقاعد نحو زيادة حصص الأسهم والاستثمارات الخاصة، بينما أدى تباطؤ العولمة إلى تقليص الحاجة لدى دول عدة للاحتفاظ بأصول أجنبية ضخمة.
في المقابل، يتصاعد المعروض من السندات نتيجة لارتفاع احتياجات الحكومات التمويلية التي تفرضها شيخوخة السكان واتساع الإنفاق الاجتماعي، علاوة على زيادة إصدارات ديون الشركات، وهو ما يضع ضغوطاً هيكلية تدفع أسعار الفائدة طويلة الأجل نحو مستويات أكثر ارتفاعاً.
الفائدة المنخفضة: عصر استثنائي لا القاعدة
تشير أليسون شراغر، الزميلة البارزة في معهد مانهاتن، إلى أن الحقبة الماضية التي شهدت اقتراب الفائدة من مستوى الصفر في الاقتصادات الكبرى كانت مرحلة استثنائية وليست الوضع الطبيعي للأسواق. وتؤكد أن قوى السوق الحقيقية، المتمثلة في تفضيل المستثمرين للقيمة الحالية مقابل المستقبل ومخاطر المدى الطويل، هي التي تتحكم في عوائد السندات طويلة الأجل، وهي عوامل لم يطرأ عليها تغيير يبرر استمرار الفائدة المنخفضة للغاية.
حدود التدخل الحكومي
على الرغم من محاولات وزارة الخزانة الأميركية التدخل لكبح جماح العوائد عبر شراء السندات، إلا أن أثر هذه الخطوات ظل مؤقتاً، حيث استأنفت العوائد صعودها بعد يوم واحد فقط. وتؤكد شراغر أن الحكومات والبنوك المركزية تفتقر للقدرة على السيطرة الكاملة على العوائد طويلة الأجل التي تمليها قوى السوق، محذرة من أن سياسات كبح العوائد تحمل تكاليف باهظة، كما حدث في التجربة اليابانية التي أدت إلى تشوهات في الأسواق وضعف في النمو الاقتصادي.
التداعيات على الاقتصاد والمستقبل
تفرض هذه البيئة الجديدة تحديات على الأسر والشركات، إذ أصبحت معدلات الرهن العقاري عند مستوى 6 بالمئة مرشحة لتكون “الوضع الطبيعي الجديد” في الولايات المتحدة. كما تضع الضغوط المالية أعباءً إضافية على الموازنة الفدرالية، حيث باتت مدفوعات الفائدة تمثل ثالث أكبر بند في الإنفاق الحكومي.
ومع وصول الدين العام الأميركي إلى أكثر من 40 تريليون دولار، يبرز خفض الديون كحل مستدام وأكثر فاعلية للحفاظ على انخفاض معدلات الفائدة. ورغم التحديات، يرى مراقبون أن هذا التحول قد يقود إلى “واقع اقتصادي أكثر صدقاً”، يفرض انضباطاً أكبر على الحكومات والمستثمرين، بعد سنوات طويلة من الاعتماد على الاقتراض الرخيص.
