دعا الدكتور عبدالحكيم الزبيدي إلى ضرورة تبني منهجية نقدية صارمة للتعامل مع التراث العربي، محذراً من أن غياب النقد العلمي في فحص الروايات التاريخية أدى إلى تشويه صورة العديد من الشخصيات والأحداث بفعل التوظيف السياسي والمذهبي، أو نتيجة لأخطاء في عمليات النقل والتدوين.
وأكد الزبيدي أن التراث العربي يمثل نسيجاً معرفياً معقداً، حيث لا يعد تعدد الروايات حول الحدث الواحد خللاً بالضرورة، بل قد يشكل ثراءً معرفياً إذا ما وُضع في إطاره المنهجي الصحيح. مشيراً إلى أن العلماء قديماً أسسوا قواعد دقيقة لفحص “السند والمتن”، وهو ما يجب تفعيله اليوم لتجاوز الروايات التي هيمنت على المشهد التاريخي دون سند علمي.
إعادة الاعتبار للشخصيات التاريخية
وأوضح الزبيدي أن القراءة النقدية للمصادر تكشف زيف الكثير من الروايات الرائجة؛ فعلى سبيل المثال، جرى تصوير الحجاج بن يوسف في بعض النصوص كطاغية دموي، بينما تبرزه مصادر أخرى كإداري صاحب إنجازات إصلاحية. كما أشار إلى اتهام المتنبي بادعاء النبوة، وتهم الزندقة التي طالت ابن سينا وابن حزم، موضحاً أنها اتهامات غالباً ما كانت كيدية من خصوم مذهبيين لا تستند إلى حقائق تاريخية، مؤكداً أن انتشار الرواية لا يعني بالضرورة صحتها.
وحول معايير التمييز بين الروايات، أوضح الزبيدي أن الباحث يعتمد منظومة ثلاثية الأبعاد؛ تبدأ بفحص قوة السند واتصاله الزمني، مروراً بتحليل المتن ومطابقته للمعقول التاريخي وخلوه من التناقضات، وصولاً إلى مقارنة القرائن التاريخية والوثائق وشهادات المعاصرين. وشدد على أن الهدف من هذه المنهجية هو الوصول إلى الرواية الأقرب للدقة، بعيداً عن القطع المطلق الذي لا تتيحه طبيعة المعرفة التاريخية في أغلب الأحيان.
عوامل تداخلت في صياغة التاريخ
وعن الأسباب التي أثرت في الروايات الموروثة، لفت الزبيدي إلى أن طبيعة النقل الشفوي قبل التدوين، وما صاحبها من نسيان أو اختلاف في الصياغة، كانت من العوامل الأساسية. كما أضاف أن تأثيرات البيئات السياسية والمذهبية، وتدخل النساخ في المخطوطات، وتكرار الروايات لخدمة خطابات معينة في عصور التدوين، ساهمت جميعها في طمس الحقائق أو تشويهها.
وخلص الزبيدي إلى أن الخلل يتجلى في حالتين: الأولى عند تعطيل أدوات النقد والاكتفاء بالتقديس غير المنهجي، والثانية عند توظيف تلك الروايات الضعيفة لبناء سرديات معاصرة دون مراعاة شروط التمحيص العلمي، داعياً إلى ضرورة إحياء هذه الأدوات النقدية لإعادة قراءة التراث العربي بموضوعية.
