تشهد أسواق السندات العالمية حالة من الاضطراب الحاد، مع تصاعد عوائد الديون الحكومية لتسجل مستويات قياسية لم تشهدها منذ أكثر من عقد في كبرى الاقتصادات العالمية. هذا التحول الاقتصادي يثير مخاوف واسعة لدى الحكومات والمستثمرين، نظراً لتداعياته المباشرة على تكاليف الاقتراض وضغطه المتزايد على مسارات النمو الاقتصادي والمالية العامة.
مؤشرات قياسية في الأسواق الكبرى
تشير البيانات إلى أن عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً -التي تُعد مقياساً للثقة في الاقتصاد- قد قفزت خلال أغسطس الماضي لتلامس 5.34 بالمئة، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2007، قبل أن تستقر عند مستويات تقارب 5.17 بالمئة. ولا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة؛ إذ سجلت السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات ارتفاعاً بنحو 3.22 بالمئة، وهو سقف لم تبلغه منذ عام 2011، بينما وصلت نظيرتها الفرنسية إلى 4.05 بالمئة، صعوداً من 3.5 بالمئة مطلع العام الجاري. وفي اليابان، التي اعتادت على أسعار فائدة منخفضة للغاية، ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 2.9 بالمئة مقارنة بـ 2.1 بالمئة في فبراير الماضي.
أسباب العاصفة المالية
يعزو الخبراء هذا الارتفاع إلى تفاقم العجز المالي وتصاعد الدين العام في الاقتصادات الكبرى منذ الأزمة المالية العالمية 2008-2009. ووفقاً لـ “فريدريك دوكروزيه”، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في بنك “بيكتيه” السويسري، فإن الأزمات المتلاحقة، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى الحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية، أدت إلى توسع غير مسبوق في الإنفاق الحكومي. وبدورها، أوضحت “شارلوت دو مونبلييه”، الاقتصادية لدى بنك “ING”، أن حتى الدول التي كانت تُعرف بانضباطها المالي بدأت تعاني من فجوات تمويلية، مما دفع الحكومات لإصدار مزيد من السندات، وهو ما خلق منافسة شرسة على جذب رؤوس الأموال ورفع أسعار الفائدة.
ضغوط التضخم وعبء الدين الأميركي
يستمر التضخم في ممارسة ضغوط إضافية، خاصة مع استمرار تقلبات أسعار الطاقة الناتجة عن الصراعات في الشرق الأوسط، مما يعزز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وتبرز الولايات المتحدة في صدارة المشهد، حيث تجاوز دينها الحكومي حاجز الـ 40 تريليون دولار، وهو ضعف ما كان عليه قبل عقد واحد فقط. وقد انعكس هذا التضخم في الدين على تكاليف خدمته، حيث قفزت مدفوعات الفائدة الأميركية إلى 970 مليار دولار العام الماضي، مقابل 350 مليار دولار في 2021، ما يستنزف جزءاً كبيراً من الميزانية المخصصة للخدمات العامة.
التأثير على الأفراد والشركات
تتجاوز آثار هذه الارتفاعات أروقة الحكومات لتصل إلى جيوب الأفراد وأداء الشركات. فالشركات تواجه تكاليف تمويل أعلى، مما يعيق قدرتها على التوسع في ظل منافسة محتدمة على التمويل، خاصة مع الطفرة الاستثمارية في قطاع الذكاء الاصطناعي. أما على صعيد الأفراد، فإن ارتفاع العوائد يترجم فوراً إلى زيادة في أقساط القروض العقارية وتمويل السيارات، مما يقلص القدرة الشرائية للأسر. ويحذر المراقبون، ومن بينهم “شارلوت دو مونبلييه”، من أن هذا المشهد قد يفرمل النشاط الاقتصادي عبر تقليص الاستثمارات الخاصة وتراجع وتيرة الاستهلاك، فيما أشار “مكارم” إلى أن التدخلات من وزارة الخزانة الأميركية قد ساهمت بدورها في زيادة حالة الارتباك بسوق السندات.
