في محاولة لسبر أغوار العقل البشري، تطرح عالمة الأعصاب نانسي أندرياسن تساؤلات جوهرية حول ماهية العبقرية وكيفية انبثاق الإبداع من أدمغتنا. ومن خلال كتابها «الدماغ الخلاق.. علم أعصاب العبقرية»، الذي نقله إلى العربية المترجم حميد يونس، تقدم أندرياسن رحلة بحثية تمتد لنحو ثلاثة عقود، تتقاطع فيها مجالات الطب النفسي وعلم الأعصاب والتحليل الأدبي لتفكيك لغز القدرة الإبداعية.

الإبداع: ظاهرة مركبة

تضع أندرياسن تعريفاً محدداً للإبداع بوصفه قدرة على إنتاج أفكار أصيلة ذات قيمة ومنفعة، مشيرة إلى أن هذه الموهبة مرافقة للإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث ظهرت في أشكال بدائية كصناعة الأدوات وإشعال النار قبل أن تتطور لتشمل سرد القصص وتدوين التاريخ. وتنتقد المؤلفة النظريات القديمة، مثل تلك التي طرحها لويس تيرمان في مشروع «دراسة العبقرية» الذي بدأ عام 1921، والذي اعتبر الذكاء والعبقرية وجهاً لعملة واحدة، مؤكدة أن الأمر أكثر تعقيداً ويتطلب فهماً أشمل للطراز المعرفي والشخصية.

آليات التفكير الصامت

تشرح أندرياسن كيف تُولد الأفكار داخل ما تسميه مجازاً «زنادو»، وهو المجال العميق الذي تتفاعل فيه عناصر اللاوعي بعيداً عن الرقابة المباشرة. وتوضح أن الدماغ الخلاق يعمل كنظام ذاتي التنظيم يمتلك قدرة فائقة على خلق ترابطات غير مألوفة، خاصة في لحظات الاسترخاء أو ما تصفه بـ «التفكير العرضي الصامت العشوائي»، حيث تقوم القشور الترابطية بدمج المعلومات بحرية أكبر عندما يكون الدماغ في وضع الراحة.

العبقرية والصحة النفسية

وفيما يتعلق بالارتباط الجدلي بين العبقرية والاضطراب النفسي، تكشف دراسات المؤلفة الميدانية على كُتّاب محترفين عن غياب حالات الفصام، في مقابل ارتفاع ملحوظ في اضطرابات المزاج، لا سيما الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب. وتخلص أندرياسن إلى أن الشخصية الإبداعية تتسم بحساسية عالية تجاه العالم، مما يجعلها عرضة لتقلبات نفسية، مشددة في الوقت ذاته على أن استقرار الحالة النفسية عبر العلاج يسهم في تعزيز القدرة الإبداعية ولا يضعفها.

دور البيئة وتنمية المواهب

تؤكد المؤلفة أن البيئة تلعب دوراً حاسماً في احتضان العبقرية أو وأدها، مشيرة إلى أن المجتمع قد يهدر الكثير من الطاقات المبدعة بسبب غياب التشجيع أو نقص الدعم المؤسسي والحرية الفكرية. وتختتم أندرياسن بالقول إن الفهم المتزايد لآليات عمل الدماغ وتنظيمه الذاتي سيفتح آفاقاً جديدة أمام الأجيال القادمة لتنمية ملكة الإبداع الفطرية وتنشئتها بشكل أفضل، لافتة إلى وجود مخزون هائل من النتاج الخلاق الذي لم يُستغل بعد نتيجة غياب البيئة المحفزة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version