اتخذت السلطات التركية حزمة إجراءات عاجلة وحازمة لاحتواء اضطرابات حادة ضربت بورصة إسطنبول، وذلك في محاولة لمنع انتقال عدوى الانهيار الذي طال عدداً من كبرى شركات إدارة الأصول إلى القطاع المالي ككل. وتضمنت التحركات الرسمية عمليات توقيف وحظر سفر لمسؤولين تنفيذيين، إلى جانب تصفية صناديق استثمارية تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار.
تحقيقات جنائية وإجراءات تنظيمية
في إطار تحقيق موسع حول عمليات سحب ضخمة للأموال من شركات إدارة الأصول، ألقت الشرطة التركية القبض على كل من محمد ياريز، رئيس مجلس إدارة «بوسولا بورتفوي»، ونامق كمال غوكالب، رئيس مجلس إدارة «هيدف هولدينغ»، وألتونتش كوموفا، المالك لحصة الأغلبية في «ديستيك هولدينغ»، إضافة إلى إبراهيم بيكجي، نائب الرئيس التنفيذي لشركة «تيرا بورتفو». كما شملت الإجراءات فرض حظر سفر على إمرة تيزمن، رئيس مجلس إدارة «تيرا هولدينغ».
وأعلنت الجهات التنظيمية، الخميس، عن خطط لتصفية أكثر من 100 صندوق استثماري تديرها شركات مثل «تيرا بورتفوي» و«بوسولا» وخمس شركات أخرى، مع تقديم بلاغات جنائية ضد عشرات الأشخاص بتهم التلاعب بأسعار الأسهم. وأكدت لجنة الاستقرار المالي، عقب اجتماع طارئ ترأسه وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك، أن الأزمة «مؤقتة ويمكن السيطرة عليها»، بينما أعلن البنك المركزي التركي عن تدابير لتعزيز السيولة في السوق.
رد فعل السوق وتحديات الأسهم الصغيرة
عقب هذه الإجراءات، شهدت البورصة استقراراً أولياً بعد موجة بيع دامت 3 أيام فقد خلالها المؤشر الرئيسي «بيست 100» نحو 10% من قيمته. وارتفع المؤشر الرئيسي بنسبة 3% عند الإغلاق، بينما قفز مؤشر البنوك الفرعي بنسبة 9.4%. ورغم هذا التعافي المحدود، استمرت مئات الأسهم الصغيرة خارج المؤشر الرئيسي في تسجيل هبوط حاد، حيث انخفض أكثر من 100 سهم منها بنسب اقتربت من الحد الأقصى اليومي البالغ 10%.
وأشار إمرة أكجاكماك، رئيس قسم الأسواق الناشئة والحدودية في «إيست كابيتال» بدبي، إلى أن صناع السياسات اتخذوا خطوات ملموسة لتخفيف الضغوط عن النظام المالي بأكمله بعد الاجتماع الطارئ. وتأتي هذه التطورات لتسلط الضوء على المخاطر الناجمة عن التوسع السريع في قطاع صناديق الاستثمار، لا سيما تلك التي اعتمدت استراتيجيات استثمارية عالية المخاطر في أسهم ضعيفة السيولة.
ملف شركة «تيرا» وأسباب الأزمة
تمركزت الأزمة حول شركة «تيرا» لإدارة الأصول، التي تدير أصولاً بقيمة 15 مليار دولار، واشتهرت بتحقيق عوائد قياسية تجاوزت 66000% خلال ثلاث سنوات، عبر استراتيجية ضخ مليارات الليرات في شركات مترابطة مع استخدام أموال مقترضة. وفي المقابل، دافع إمري تيزمن عن شركته عبر منصة «إكس»، واصفاً ما يحدث بأنه «مشكلة سيولة مؤقتة» و«هجوم مضاربة مخطط له» من قبل أطراف وصفها بالخبيثة.
وكانت الشرارة الأولى لعمليات التسييل قد انطلقت في أغسطس الماضي، عندما شددت السلطات القواعد على صناديق الأسهم التي تركز استثماراتها في شركات ذات نسبة ضئيلة من الأسهم الحرة، ما دفع الصناديق لبيع مراكزها التزاماً بالقواعد الجديدة. وفي سياق دعم السوق، سمحت الهيئة التنظيمية للقطاع المصرفي للمقرضين باستبعاد الأسهم التي يعيدون شراءها من حسابات متطلبات رأس المال الأساسي حتى نهاية العام، بينما أكد البنك المركزي استعداده لزيادة التمويل عبر مزادات إعادة الشراء (الريبو) وتعديل حدود الاقتراض.



