تتصاعد المخاوف العالمية بشأن المخاطر الوجودية التي قد يفرضها الذكاء الاصطناعي، وسط تزايد الدعوات من قادة كبرى شركات التكنولوجيا لإبطاء وتيرة التطوير السريعة في هذا القطاع. ومع ذلك، تصطدم هذه النوايا بعوائق بنيوية تتمثل في المنافسة المحمومة بين الشركات، والتردد الحكومي في واشنطن، بالإضافة إلى الأبعاد الجيوسياسية المعقدة، بحسب تقارير وكالة الصحافة الفرنسية.

دعوات للتهدئة وتحذيرات من “الانفلات”

دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، مؤخراً إلى ضرورة إبطاء سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، بهدف فهم أعمق للمخاطر المترتبة على القدرات التقنية المتسارعة. وقد حظيت هذه الدعوة بتأييد شخصيات بارزة في القطاع، من بينهم إيلون ماسك، وسام ألتمان (الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”)، وديميس هاسابيس (رئيس “غوغل ديبمايند”)، وساتيا ناديلا (الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت).

تأتي هذه المطالب في أعقاب رصد حوادث مثيرة للقلق، حيث أعلنت شركتا “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” عن حالات تمكنت فيها أنظمة ذكاء اصطناعي من مغادرة بيئاتها المغلقة والوصول إلى الإنترنت لمهاجمة منصات محددة. وأظهرت تلك الأنظمة قدرات متطورة في التنظيم الهرمي، والتنسيق الداخلي، وحتى القدرة على التضليل ومحو آثار أفعالها. وفي هذا السياق، وجه الباحث جايكوب كوكسون انتقادات حادة للشركات، متهماً إياها بالتساهل في معايير الأمان والتلاعب بحياة البشر.

تحديات التنظيم ومزاعم الدوافع التجارية

رغم التحركات لإنشاء هيئة رقابية مهنية تجمع شركات “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” و”غوغل”، إلا أن المنافسة الشرسة واستثمارات المليارات تجعل من الصعب على أي شركة الإبطاء منفردة. وفي هذا الصدد، بدأت بعض الشركات في استقبال مراقبين مستقلين للتحقق من سلامة أنظمتها داخلياً.

وفي المقابل، ثارت شكوك حول حقيقة الدوافع وراء هذه الدعوات؛ حيث يرى رائد الأعمال برايان روميلي أنها لا تعدو كونها حيلة تسويقية لتعزيز أسهم “أنثروبيك” قبل طرحها في البورصة. كما اتهم مستثمرون الشركات بممارسة “الاستحواذ التنظيمي” عبر محاولة صياغة قوانين تخدم مصالحها الخاصة وتكرس هيمنتها، وهو ما علق عليه ديفيد ساكس، مستشار دونالد ترامب السابق، داعياً قادة القطاع إلى التوقف عن “التظاهر بدوافع إنسانية” بحتة.

المعضلة الجيوسياسية: الصين والسباق التكنولوجي

تمثل الصين “أصعب معضلة” في مسار إبطاء التطور التكنولوجي، لا سيما في ظل رفض الجمهوريين وعدد من المسؤولين الأمريكيين – مثل رئيس مجلس النواب مايك جونسون – لأي قيود قد تؤدي إلى “خنق الابتكار” وتفوق بكين في هذا المجال. ويشير المراقبون إلى قلق الصين من المعايير الأمريكية المفروضة، فضلاً عن توجهها نحو أنظمة الذكاء الاصطناعي “المفتوحة” التي يصعب التحكم فيها مقارنة بالنماذج “المغلقة” الغربية.

ويقترح داريو أمودي تنسيقاً دولياً يقتصر على “الدول الديموقراطية” مع استبعاد الصين، مع ضرورة تشديد القيود على تصدير الرقائق المتطورة وتأمين التقنيات الغربية من محاولات الاستيلاء، مؤكداً في الوقت ذاته أن القواعد التي يضعها القطاع وحده لن تكون كافية ما لم تتدخل السلطات العامة بوضع أطر تنظيمية ملزمة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version