تعد “أنيميا الأمراض المزمنة” ثاني أكثر أنواع فقر الدم شيوعاً بعد فقر الدم الناجم عن نقص الحديد، وهي حالة لا ترتبط بنقص غذائي أو خلل وراثي، بل تعد مؤشراً على وجود اعتلال صحي كامن في الجسم يقوم فيه بحبس الحديد بعيداً عن نخاع العظم، مما يعيق إنتاج كريات الدم الحمراء.
جذور المشكلة وتداعياتها
يوضح الدكتور عمر عيسى حابوه أن هذه الحالة غالباً ما ترتبط بأمراض مزمنة مثل الفشل الكلوي؛ حيث يتراجع إفراز هرمون “الإريثروبويتين” الضروري لتحفيز النخاع على إنتاج الدم. كما تبرز في حالات الالتهابات المزمنة كأمراض الروماتويد والذئبة، إضافة إلى الإصابات طويلة الأمد كالدرن، وقصور الغدة الدرقية، وأمراض الكبد، وحتى الأورام الخبيثة.
ويشير الخبير الطبي إلى خطورة الحالات التي تمس نخاع العظم مباشرة، سواء عبر توقفه عن العمل كما في “الأنيميا اللاتنسجية”، أو نتيجة لتأثره بالعلاجات الكيماوية والإشعاعية، أو إصابته بسرطان الدم والأورام الليمفاوية، وصولاً إلى حالات الأنيميا الانحلالية المناعية التي يهاجم فيها الجهاز المناعي خلايا الدم ويدمرها قبل أوانها.
مؤشرات تدعو للقلق
يؤكد الدكتور حابوه وجود علامات إنذار تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً، منها: فقدان الوزن غير المبرر، الحمى المستمرة لأسابيع، التعرق الليلي الغزير، وتضخم الغدد الليمفاوية، إلى جانب ظهور كدمات جلدية، أو نزف من اللثة والأنف، أو وجود دم في البول أو براز داكن، وتكرار العدوى، أو عدم استجابة الأنيميا للعلاج التقليدي لأكثر من شهرين.
دليل التحاليل والفحوصات
يعتمد التشخيص الطبي على حزمة فحوصات شاملة تبدأ بصورة الدم الكاملة (CBC) وفحص “فيلم الدم” لتقييم شكل الخلايا ونشاط النخاع. كما تشمل الفحوصات مستويات الفيريتين، والحديد، وفيتامين ب12، وحمض الفوليك، بالإضافة إلى تقييم وظائف الكلى والكبد والغدة الدرقية، وقياس مؤشرات الالتهاب مثل سرعة الترسيب (ESR) والبروتين سي التفاعلي (CRP).
في الحالات المعقدة، قد يستدعي الأمر إجراء تحاليل إضافية مثل اختبارات التكسر، أو الفصل الكهربي للهيموجلوبين، وصولاً إلى سحب عينة من نخاع العظم أو إجراء مناظير للجهاز الهضمي لاستبعاد النزف الخفي.
استراتيجيات العلاج
القاعدة الذهبية في التعامل مع هذه الحالة هي “علاج المسبب لا العرض”. ففي حالات الفشل الكلوي يتم استخدام حقن “الإريثروبويتين” والحديد الوريدي، بينما تتحسن مستويات الدم لدى مرضى المناعة أو الأورام عند السيطرة على الحالة الأساسية. ويبقى نقل الدم خياراً مقصوراً على الحالات الشديدة أو تلك المصحوبة بمضاعفات قلبية.
وعلى صعيد التغذية، يشدد الدكتور حابوه على أهمية اتباع نظام غذائي متوازن وغني بالبروتين والخضروات، مع ضرورة الالتزام بإرشادات خاصة لمرضى الكلى فيما يتعلق بالبوتاسيوم والفوسفور والملح. ويختتم بالتأكيد على أن الأنيميا ليست سوى نتيجة لخلل ما، وأن جوهر الرعاية الطبية يكمن في تقصي أسبابها الحقيقية بدلاً من الاكتفاء بتناول المكملات دون تشخيص دقيق.
د. عمر عيسى حابوه
استشاري وخبير إدارة المنشآت الصحية وأخصائي طب الأسرة والطب الرياضي



