تطوي الولايات المتحدة صفحة وجودها العسكري في العراق، بإنهاء ما وُصف بـ”الحرب الأبدية” التي استمرت لأكثر من 23 عاماً، وتكبدت خلالها واشنطن تكاليف مادية بلغت 1.7 تريليون دولار، تزامناً مع إغلاق آخر قاعدة عسكرية أميركية رئيسية في البلاد.

يأتي هذا الانسحاب بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض في يوليو الماضي، حيث أكد عدم وجود حاجة لبقاء الجيش الأميركي هناك. في المقابل، حدد الزيدي، البالغ من العمر 41 عاماً، موعداً نهائياً ينتهي اليوم الأربعاء لتسليم الميليشيات المسلحة أسلحتها، معتبراً أنه لا يوجد مبرر لوجودها بعد 30 سبتمبر.

مخاوف من الفراغ الأمني

ورغم التأييد الشعبي الواسع للانسحاب بين العراقيين، تبرز تحذيرات من عجز القوات الأمنية الوطنية عن سد الفراغ الذي سيخلفه رحيل القوات الأميركية، خاصة في ظل استمرار تهديدات الميليشيات المسلحة. وتُشير تقارير إلى أن تلك الجماعات عززت من قدراتها العسكرية، حيث تم رصد تصعيد في الهجمات باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة بعيدة المدى، بما في ذلك هجمات استهدفت مراكز دبلوماسية ولوجستية في مطار بغداد ومصالح حيوية أخرى.

وفي مؤشر على تزايد المخاطر الأمنية، وجهت السفارة الأميركية في بغداد تحذيرات متكررة من خطر الاختطاف، مما دفع بفرق صحفية وأجنبية إلى مغادرة البلاد بشكل مفاجئ. وأكد المحلل السياسي جاسم البهادلي أن العقدين الماضيين أثبتا أن أي فراغ أمني قد يحمل عواقب وخيمة على استقرار البلاد.

تحديات المستقبل ومصير “داعش”

يضع هذا التحول حكومة الزيدي أمام اختبار صعب؛ إذ تعول إدارة ترامب على قدرته في نزع سلاح الميليشيات التي تضم عشرات الآلاف من المقاتلين. ومع ذلك، تشير تقارير إلى احتمال تأجيل المهلة المحددة لنزع السلاح إلى العام المقبل، وفقاً لما يتداوله الزيدي ونوابه، في وقت أكد فيه المتحدث باسم الجيش العراقي، اللواء سعد معن، أن بعض الفصائل بدأت بالفعل في تسليم أسلحتها.

من جانب آخر، يخشى مسؤولون أمنيون عراقيون في الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان أن يمنح الانسحاب الأميركي خلايا تنظيم “داعش” النائمة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، خاصة مع توقف التغطية الاستخباراتية والمراقبة الجوية التي كانت تقدمها القوات الأميركية. وحذر الجنرال المتقاعد محمد الجبوري من أن السيناريو الأسوأ يتمثل في امتلاك الجماعات المتطرفة طائرات مسيرة، في ظل افتقار العراق لقدرات دفاع جوي كافية للتعامل مع مثل هذه التهديدات.

يُذكر أن التدخل الأميركي الذي انطلق عام 2003، مر بمراحل معقدة، بدءاً من إسقاط النظام السابق، وصولاً إلى الحرب على “القاعدة” ثم “داعش”، وخسرت القوات الأميركية خلال تلك الحقبة 4500 جندي، فيما تستغل إيران حالياً هذا الانسحاب لترسيخ نفوذها عبر “محور المقاومة”، وسط قلق من محاولات هذه الجماعات توسيع دورها في رسم السياسات الوطنية وترسيخ حضورها داخل مؤسسات الدولة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version