أصدر المركز القومي للترجمة مؤخراً كتاب “مذكرات سكرتير نابليون.. زمن الحملة الفرنسية على مصر والشام”، للكاتب لوي أنطوان فوقليه ديه بوريين، في ترجمة عربية أنجزها شحات صادق وعاصم عبد ربه. يمثل هذا الإصدار وثيقة تاريخية هامة تعيد قراءة واحدة من أكثر فترات التاريخ العربي إثارة للجدل، عبر شهادة مباشرة من شخص عاصر الأحداث من موقع وثيق الصلة بصانعها.
رؤية من داخل “دائرة القرار”
تكمن القيمة الاستثنائية لهذه المذكرات في طبيعة العلاقة التي ربطت مؤلفها بنابليون بونابرت؛ إذ لم يكن ديه بوريين مجرد سكرتير خاص، بل كان صديقاً مقرباً لنابليون منذ أيام دراستهما في المدرسة العسكرية، وملازماً له في أدق تفاصيل حياته المهنية والشخصية. هذا القرب من “الرجل الذي غيّر ملامح أوروبا” مكّن المؤلف من رصد أبعاد خفية في شخصية بونابرت لم تظهر في السجلات الرسمية.
يغطي الكتاب الفترة ما بين عامي 1798 و1801، مستعرضاً التحركات العسكرية للحملة الفرنسية في مصر والشام، والمفاوضات الدبلوماسية، والاضطرابات الميدانية التي واجهت القوات الفرنسية. ولا يكتفي النص بسرد الوقائع الحربية، بل يتجاوزها إلى تحليل دوافع نابليون النفسية، ومخاوفه، وأسلوبه في القيادة، مما يقدم للقارئ صورة للإنسان الذي يقف خلف عباءة القائد العسكري.
أبعد من ساحات المعارك
تنتقل المذكرات بذكاء من ضجيج المعارك إلى تفاصيل الحياة اليومية، وعلاقات الحملة مع القوى المحلية، والتحديات اللوجستية التي واجهت الفرنسيين على الأرض. وبفضل خلفية بوريين القانونية ودرايته بالقانون الدولي، استطاع الربط بين الأحداث الميدانية والسياق السياسي الأوروبي الأوسع، موضحاً كيف تحولت مصر والشام في ذلك الوقت إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الدولية والطموحات الاستعمارية.
يعد هذا الإصدار مرجعاً ثرياً للباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة في مطلع العصر الحديث، حيث يزيل الغطاء عن الطريقة التي كانت تُدار بها الأحداث الكبرى خلف الكواليس، بعيداً عن الروايات الرسمية التي تُكتب عادة بعد استقرار التاريخ.



