تعد الوجودية جسراً يربط بين الفلسفة العميقة ومجال العلاج النفسي، حيث تقدم رؤية مغايرة للإنسان تبتعد عن التفسيرات الاختزالية والميكانيكية. ويقدم كتاب «مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي»، الذي وضعه رائدا الطب النفسي رولو ماي وإرفين يالوم، وترجمه إلى العربية الدكتور عادل مصطفى، إجابات على تساؤلات الوجود الكبرى المتعلقة بالحرية، المسؤولية، العزلة، وقلق الموت.
جذور الفلسفة الوجودية وتطورها
تمتد جذور الفكر الوجودي إلى عمق التاريخ، ممتدة من أفكار سقراط والقديس أوغسطين والحلاج، وصولاً إلى الفلاسفة الرومانتيكيين الألمان. وقد برز نيتشه كعلامة فارقة في نقد زيف العصر الحديث والصدع بين المثال والواقع. وفي المقابل، يُعتبر المفكر الدنماركي سورين كيركجارد الأب الروحي للوجودية المعاصرة، بفضل تركيزه على أولوية الذاتية والنمو الشخصي والحدود الإنسانية.
تطورت الوجودية في القرن العشرين بفضل إسهامات شخصيات بارزة مثل جبرييل مارسيل، وجان بول سارتر، وألبير كامو، وموريس ميرلوبونتي، بالإضافة إلى الطبيب النفسي والفيلسوف كارل ياسبرز. وتلاقت هذه التيارات لتشكل مرجعية فكرية ساهمت في صياغة العلاج النفسي الوجودي كأداة لفهم الإنسان في سياقه الثقافي والوجودي.
العلاج الوجودي ومواجهة «العصاب الوجودي»
أسس رولو ماي مدرسة العلاج الوجودي في أمريكا، مؤكداً على مسؤولية الفرد عن اضطرابات حياته، ومشدداً على أهمية التمييز بين القلق الصحي الذي يدفع للإبداع والنمو، والقلق المرضي الذي يحبس الإنسان في قوقعة الخوف. وخلص ماي في دراساته خلال الخمسينيات إلى انتشار ما أسماه «العصاب الوجودي»، وهو حالة من فقدان المعنى والشغف، والجزع أمام العبث والفراغ.
من جانبه، وضع الطبيب النمساوي فيكتور فرانكل أركان «العلاج بالمعنى»، معتبراً أن سعي الإنسان لإيجاد معنى لحياته هو القوة الدافعة الأساسية له، وهي رؤية تبلورت بناءً على خبراته القاسية في معسكرات الاعتقال النازية.
نقد الاختزالية في الطب النفسي
انبثق العلاج الوجودي في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي كاستجابة لقصور المدارس النفسية التقليدية، مثل الفرويدية التي ركزت على الغرائز المكبوتة، والسلوكية التي انشغلت بردود الأفعال الميكانيكية. وبدلاً من ذلك، يسعى المعالج الوجودي إلى فهم «الإنسان الحقيقي» في لحظاته المباشرة، رافضاً تشييئه أو التلاعب به.
ويهدف هذا النهج العلاجي إلى تمكين المريض من مواجهة ذاته، وتقبل حقيقة وجوده بحدودها وممكناتها، والتعامل مع مشاعر القلق والذنب بوصفها منطلقاً لبناء التزام مسؤول وواعٍ تجاه الحياة.






