يواجه الأطفال خطراً بيئياً متزايداً يهدد صحتهم النفسية، وهو “التلوث الضوضائي” الناجم عن حركة المرور؛ حيث كشفت دراسات علمية حديثة عن وجود روابط مقلقة بين التعرض المستمر لضجيج الطرق وظهور مشكلات سلوكية وعاطفية، بالإضافة إلى زيادة احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب.
وأوضح إيلوا شازلا، الباحث في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية، وجود مؤشرات واضحة على تأثر الصحة النفسية للأطفال بالضوضاء. وتأتي هذه النتائج لتنضم إلى سلسلة من الأبحاث التي تؤكد أن ارتفاع مستويات الضجيج لا يقتصر ضرره على ضعف السمع أو أمراض القلب والأوعية الدموية الناتجة عن التوتر، بل يمتد ليشمل الاستقرار النفسي للأجيال الناشئة.
من جانبها، صنفت منظمة الصحة العالمية عبر مكتبها الإقليمي في أوروبا الضوضاء كأحد العوامل البيئية الرئيسية المهددة للصحة العامة، مشددة على أنها مشكلة عالمية تتطلب اهتماماً أكبر.
ارتباط الضجيج بالقلق والاكتئاب
في عام 2025، سلطت دراسة نشرتها مجلة «إنفايرنمنتل ريسيرتش» الضوء على أثر الضجيج على المراهقين، بعد متابعة أكثر من 100 ألف شاب فنلندي على مدار سنوات. وأظهرت النتائج أن العيش في بيئات تتجاوز فيها ضوضاء المركبات حاجز 53 ديسيبل يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق.
أما دراسة الباحث إيلوا شازلا، التي تابعت نحو 8 آلاف طفل فرنسي من الولادة وحتى بلوغهم العاشرة، فقد ركزت على تصنيف الاضطرابات إلى “داخلية” كالقلق وصعوبات العلاقات، و”خارجية” كاضطرابات السلوك ونقص الانتباه. وخلصت الدراسة إلى أن الخطر يزداد حدة كلما كان السكن أقرب إلى الطرق المزدحمة، بينما لم تكن النتائج حاسمة فيما يتعلق بضوضاء القطارات والطائرات لقلة عدد الحالات المرصودة.
كما أظهرت الأبحاث أن تأثير الضوضاء يختلف بحسب المرحلة العمرية؛ حيث تبين أن تعرض الأطفال للضجيج في عمر شهرين أو خمس سنوات ونصف يرتبط بصعوبات في بناء العلاقات مع الأقران، بينما يختفي هذا التأثير في مراحل عمرية أخرى، مما يشير إلى تباين الاستجابة الفزيولوجية والنفسية للضجيج تبعاً للسن.
تحديات الصحة العامة
وعلى الرغم من هذه التحذيرات، أكد الباحثون ضرورة عدم إثارة الذعر بين العائلات التي تقيم قرب الطرق، مشيرين إلى أن التأثيرات تظل محدودة على المستوى الفردي، لكنها تتحول إلى مشكلة صحة عامة تستوجب تدخلاً سياسياً واجتماعياً.
وتشير تقارير محكمة الحسابات الأوروبية الصادرة مطلع عام 2025 إلى وجود فجوة في الإجراءات الوقائية، حيث من غير المرجح أن يحقق الاتحاد الأوروبي أهدافه لخفض التلوث الضوضائي بحلول عام 2030، لا سيما في ظل تعرض واحد من كل خمسة أوروبيين لمستويات ضوضاء مفرطة بشكل يومي.






