يغوص كتاب «الأسطورة والأيديولوجيا» للدكتورة أمل مبروك في أعماق العقل البشري، مستعرضاً رحلة تطور الأسطورة عبر التاريخ بوصفها الأداة الفكرية الأولى التي استخدمها الإنسان لمقاربة أسئلة الوجود الكبرى، مثل لغز الموت والمصير، وبدايات الخليقة، والجدلية الأبدية بين الخير والشر.
تحولات الأسطورة: من السحر إلى الأيديولوجيا
يتتبع الكتاب بأسلوب تحليلي مقارن التحولات الجذرية في وظيفة الأسطورة؛ فبعد أن كانت في المجتمعات القديمة تفسيراً سحرياً للطبيعة، تحولت في سياق التحليل النفسي إلى قوة لاشعورية موجهة. ومع توالي العصور، اتخذت الأسطورة أبعاداً سياسية واجتماعية، حيث أصبحت توظف كـ «أيديولوجيا» أو «وعي زائف» يخدم مصالح الطبقات الحاكمة ويسوغ هيمنتها، وصولاً إلى استحضارها كـ «يوتوبيا» وطاقة ثورية قادرة على إعادة صياغة التاريخ.
مراحل تطور الوعي الإنساني
تشير الدكتورة مبروك إلى أن الفكر الإنساني قطع مراحل ارتقاء حتمية في محاولته للسيطرة على محيطه. بدأت هذه الرحلة بمرحلة «السحر»، حيث آمن الإنسان البدائي بوجود قوانين آلية في الطبيعة، فمارس التعاويذ لاستمالتها وتلبية احتياجاته. ومع بزوغ الفجر العقلي على يد فلاسفة مثل سقراط وأفلاطون، تراجعت مكانة الأسطورة، وهو التوجه الذي تعزز مع الديانات التوحيدية والمناهج الوضعية التي صنفت الأسطورة مجرد خرافة أو حكاية للتسلية.
لكن هذه المكانة استعادت بريقها في القرن التاسع عشر بفضل الرومانتيكية والعلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ليتحول الاهتمام بها إلى علم «الميثولوجيا» الذي يفكك البنى الرمزية والوظائف المجتمعية للأسطورة.
الأسطورة في مرآة التحليل النفسي
يبرز الكتاب تقاطع الميثولوجيا مع علم النفس؛ إذ يرى سيجموند فرويد أن الحلم والأسطورة وجهان لعملة واحدة، ينبعان من العمليات اللاشعورية ويستخدمان رموزاً مشتركة للتعبير عن رغبات مكبوتة بعيداً عن سيطرة العقل. في المقابل، يوسع كارل يونج هذا المفهوم بطرحه «اللاشعور الجمعي»، مؤكداً أن الأنماط الأولية الموروثة هي صور ورموز أسطورية فطرية تتكرر لدى مختلف الشعوب، وتعد الأسطورة عنده تجسيداً واعياً للدراما النفسية الباطنية لهذه الأنماط.
الأبعاد السياسية والاجتماعية
يختتم الكتاب رؤيته بمقارنة سوسيولوجية للمفاهيم التي حركت التاريخ؛ حيث يستحضر أطروحات سوريل في كتابه «تأملات عن العنف»، الذي انتقد العقلانية السقراطية واليوتوبيات الإصلاحية، معتبراً أن التاريخ لا تصنعه العقول الباردة، بل العواطف والأساطير التي تتجلى في الإرادة الثورية وحركات الإضراب العام.






