كشفت تقارير استخباراتية وتحقيقات موثقة عن مساعٍ قام بها مسؤولون عسكريون في الجيش السوداني لإخفاء برنامج سري لتطوير أسلحة كيميائية، وذلك في أعقاب اتهامات باستخدام قنابل الكلور ضد قوات الدعم السريع. وقد استندت هذه النتائج إلى مراجعة دقيقة لوثائق ورسائل نصية ومقاطع فيديو، أكد خبراء دوليون ومفتشو أسلحة ومسؤولون استخباراتيون غربيون موثوقيتها كأدلة على وجود هذا البرنامج.
وأظهرت الوثائق، التي حصل عليها مسؤولون أمنيون في الشرق الأوسط من مصادر داخل السودان، أن الجيش السوداني عمد إلى تحويل شحنات من غاز الكلور -المخصص أساساً لتعقيم مياه الشرب- لاستخدامه في تصنيع قنابل بدائية. وتضمنت خطط البرنامج إخفاء مواقع إنتاج الرؤوس الحربية في قواعد عسكرية، وإجراء اختبارات في مناطق صحراوية نائية، بالإضافة إلى وضع قوائم أهداف استراتيجية لإسقاط تلك الغازات السامة.
تفاصيل البرنامج وترسانة الأسلحة
تشير الملفات إلى أن القوات المسلحة السودانية خزّنت ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية، وتضمنت المراسلات العسكرية إشارات إلى قنابل “مزدوجة التأثير” مملوءة بغاز الخنق. وأوضح خبير الأسلحة غاريث وليامز، المسؤول السابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أن هذه الأدلة مثيرة للقلق وتتفق مؤشراتها مع وجود برنامج أسلحة كيميائية فعلي، رغم صعوبة التحقق القاطع من طبيعة الذخائر عبر الأدلة البصرية وحدها.
وبحسب التقارير، كان الجيش يرى في هذه الأسلحة وسيلة لإثارة الرعب وطرد قوات الخصم من مواقعها المحصنة. وتظهر محادثات نصية في ديسمبر 2024 توجيهاً من ضابط عسكري باستهداف ثكنات للشرطة وأبراج حراسة بغاز الكلور لـ “تحييد” القناصة. كما أشارت تقارير أخرى من أواخر عام 2024 إلى تخزين المئات من هذه القنابل في قاعدة مروي الجوية، مع تسجيل استخدام 106 قنبلة منها في عمليات ميدانية.
الهندسة والتصنيع البدائي
تم تحديد طارق مدني، وهو ضابط في القوات المسلحة السودانية، كمهندس رئيسي للبرنامج. وتشير الوثائق إلى دوره في إدارة عمليات التصنيع التي اعتمدت على مكونات خردة، حيث استُخدمت أسطوانات الغاز المنزلي وتحويلها إلى قنابل مزودة بأبر إطلاق وزعانف ديناميكية. كما كشفت الصور عن وجود أنظمة بدائية لملء هذه الذخائر بالكلور، مع استخدام معدات تبريد مخصصة للعملية، فضلاً عن تجهيز طائرات “أنطونوف أن-32” بآليات لإسقاط هذه القنابل.
موقف المنظمات الدولية والتحقيقات الرسمية
وعلى صعيد مصادر الكلور، أثيرت تساؤلات حول علاقة المادة بمحطات معالجة المياه. وفي هذا السياق، أكدت منظمة “اليونيسف” أنها زودت هيئة مياه ولاية الخرطوم بشحنات كلور في الفترة ما بين 2023 و2025 لتعقيم المياه حصراً، نافيةً وجود أي سجلات تُثبت إساءة استخدام هذه الشحنات، وشددت على أن أي تحويل لاستخدامها يُعد خرقاً خطيراً للمبادئ الإنسانية.
يُذكر أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على السودان العام الماضي، معلنةً أنها توصلت إلى أن الخرطوم استخدمت أسلحة كيميائية بما يخالف القانون الدولي. وفي المقابل، أعلن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في مايو من العام الماضي عن تشكيل لجنة للتحقيق في هذه الادعاءات، حيث أُدرج اسم طارق مدني ضمن اللجنة، وهو ما انتهى في الخريف الماضي إلى إعلان السودان عدم وجود دليل على أي تلوث كيميائي أو إشعاعي في المناطق المذكورة.






