يواجه المسرح المعاصر جدلاً واسعاً حول طغيان «السينوغرافيا» على أركان العمل المسرحي الأساسية؛ إذ يرى نقاد ومسرحيون أن التطور التقني والاعتماد المفرط على العناصر البصرية والذكاء الاصطناعي قد أدى إلى تهميش دور الممثل، والنص، والرؤية الإخراجية، مما يثير مخاوف من تحول العرض المسرحي إلى مجرد «لوحات بصرية» مفرغة من عمقها الدرامي.
السينوغرافيا: من أداة مكملة إلى “غول” مهيمن
يشير الواقع المسرحي الحديث إلى تحول لافت في أولويات صناعة العرض، حيث أصبحت التقنيات الحديثة -من إضاءة، وديكور، ومؤثرات رقمية- هي المحرك الأساسي للفعل المسرحي، بدلاً من أن تكون خادمة للفكرة. هذا الهوس بالبهرجة البصرية دفع العديد من الخبراء إلى التحذير من انزلاق المسرح نحو “النزعة السينوغرافية”، التي تعلي من شأن الصورة على حساب الحضور الإنساني الحي للممثل.
وفي هذا السياق، يرى الناقد المسرحي الدكتور حسن يوسفي أن السينوغرافيا تسببت في تحويل الممثل إلى «دمية مبرمجة» تخضع لإكراهات الفضاء التقني بدلاً من أن يكون هو المركز الذي يدور حوله العرض. ويضيف يوسفي أن الكثير من العروض العربية باتت تعاني من خلل توازني، حيث يُجبر المؤدي على التحرك وفق متطلبات القطع السينوغرافية، مما يغيب التفاعل الحي الذي ينتظره الجمهور.
تراجع النص ومركزية الصورة
لم يقتصر التأثير على الأداء التمثيلي فحسب، بل امتد ليشمل الكتابة المسرحية؛ إذ بات النص يُجرد من حمولاته اللغوية والسردية لصالح تكثيف المشاهد البصرية والرموز. ويعتبر الكاتب المسرحي رضوان احدادو أن السينوغرافيا، بمفهومها المعاصر، تعد «ضيفاً طارئاً» على المسرح، محذراً من أن الغلو في استخدام التقنية قد يؤدي إلى «موت المؤلف» وتغييب الحوار، مما يولد فجوة كبيرة بين النص المكتوب وما يُقدم على الخشبة.
بين الضرورة الفنية والابتكار
في المقابل، يرى بعض المشتغلين بالمسرح أن السينوغرافيا فن وعلم ضروري لتنسيق الفضاء المسرحي، شريطة أن تظل ضمن حدودها الوظيفية التي تخدم العمل. ويؤكد هؤلاء أن التعامل مع التقنيات الحديثة يتطلب تأهيلاً أكاديمياً متخصصاً، لضمان عدم طغيان «التقنية» على «قصة العرض». فالهدف الحقيقي للسينوغرافيا، بحسب الدكتور كمال عيد في كتابه «سينوغرافيا المسرح عبر العصور»، هو تحقيق التناغم بين العناصر التشكيلية والدرامية لإبراز العرض في أبهى صورة ممكنة، لا أن تكون مركزاً مستقلاً للفرجة.
مسرح ما بعد الدراما
يعد مفهوم «مسرح ما بعد الدراما»، الذي ناقشه الباحث الألماني هانس تيس ليمان في مؤلفه المترجم، مرجعاً لتفسير هيمنة الصورة؛ حيث يمثل هذا النمط من المسرح رد فعل على وسائل الإعلام الحديثة. ومع دخول فنون الكاميرا والمؤثرات الصوتية والرقص في بنية العرض، تحول الخطاب المسرحي إلى خطاب متعدد الوسائط، مما وضع المسرح التقليدي أمام تحدٍ وجودي يفرض ضرورة إعادة التوازن بين تقنيات العرض وأصوله الإنسانية.






