لم تعد التوزيعات النقدية في أسواق الأسهم الإماراتية رهينةً بحجم الأرباح المحققة فحسب، بل أصبحت ترتبط بشكل وثيق بمتانة التدفقات النقدية، وقوة الميزانيات، والاستراتيجيات التوسعية لكل شركة، بالإضافة إلى السياسات المعتمدة التي تحدد نسب توزيع الأرباح. وتشير نتائج الشركات للنصف الأول من عام 2026 إلى تباين واضح في هذه المعايير، مما يطرح تساؤلات حول الشركات التي تمتلك مساحة مالية كافية لرفع عائداتها النقدية للمساهمين مستقبلاً.
سياسات نمو واضحة في قطاع الطاقة
تقدم شركات “أدنوك” نماذج صريحة لسياسات توزيع مرتبطة بالنمو المستهدف. ففي “أدنوك للغاز”، التزمت الشركة بنمو سنوي للتوزيعات بنسبة 5% حتى عام 2030، مع استهداف توزيع 3.762 مليار دولار لعام 2026، مدعومة بتدفق نقدي حر بلغ 572 مليون دولار في الربع الأول. وبدورها، أقرت “أدنوك للحفر” سياسة لزيادة التوزيعات السنوية بنسبة لا تقل عن 5% حتى 2030، بمستهدف يصل إلى 1.05 مليار دولار لعام 2026.
أما “أدنوك للتوزيع”، فتربط سياستها بين الأرباح والإنفاق الرأسمالي، مستهدفة توزيع 2.57 مليار درهم سنوياً أو 75% من صافي الربح، أيهما أعلى. وقد عززت الشركة موقفها بنمو صافي الربح بنسبة 59% ليصل إلى 568 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، مما يمنحها مرونة أكبر في الموازنة بين العائد النقدي والاحتياجات التشغيلية.
أهمية التدفقات النقدية في قرارات التوزيع
يعد النقد المتولد من الأنشطة التشغيلية المعيار الأهم لقدرة الشركات على رفع توزيعاتها. ففي قطاع الاتصالات، سجلت “إي آند” تدفقاً نقدياً تشغيلياً حراً (باستثناء رسوم التراخيص والطيف) قدره 12.8 مليار درهم خلال النصف الأول، بزيادة 11.4%، ما سمح لها برفع توزيعات النصف الأول إلى 47.5 فلس للسهم. كما سارت “دو” على النهج ذاته، حيث رفعت توزيعاتها إلى 26 فلساً للسهم، تزامناً مع نمو أرباحها بنسبة 12.6%.
استقرار التوزيعات والتوجهات الاستثنائية
تتبنى شركات أخرى سياسات تضمن استقرار العائد للمستثمرين؛ حيث التزمت “ديوا” بتوزيع حد أدنى قدره 6.2 مليار درهم سنوياً خلال سنواتها الخمس الأولى، موزعة على فترات نصف سنوية. وفي المقابل، تواصل “بروج” التأكيد على توزيعات إجمالية لعام 2026 عند 16.2 فلس للسهم، ما يمنح المستثمرين رؤية واضحة للحد الأدنى من العوائد.
وعلى صعيد مختلف، اتخذت “إعمار العقارية” منحى استثنائياً بموافقة مجلس إدارتها في سبتمبر الجاري على توزيع أرباح نقدية استثنائية لمرة واحدة بقيمة 4.4 مليار درهم، بواقع 50 فلساً للسهم، وذلك إلى جانب توزيعاتها المعتادة، مما يعكس قراراً رأسمالياً خاصاً لا يعبر بالضرورة عن تحول دائم في مستوى المدفوعات السنوية.
نظرة تحليلية على المشهد المالي
بلغ إجمالي التوزيعات النقدية المعلنة من قبل 26 شركة مدرجة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 30.4 مليار درهم. إلا أن هذا الرقم يستوجب تحليلاً دقيقاً؛ فالعبرة ليست بحجم التوزيع الحالي، بل بمدى استدامته. وتتحدد قدرة الشركات على الرفع المستقبلي للعائد عبر أربعة محاور: نمو الأرباح، والتدفقات النقدية الحرة، وحجم المديونية، والاحتياجات الرأسمالية للتوسع.
في المحصلة، يبرز المشهد الاستثماري الحالي في الإمارات تحولاً في أولويات المستثمرين، الذين لم يعودوا يبحثون عن الشركات التي توزع أكثر في لحظة معينة، بل عن تلك التي تمتلك الملاءة المالية والسياسة الواضحة التي تحول النمو في الأداء إلى توزيعات نقدية مستدامة على المدى الطويل.






