وفي هذا الإطار، تركز واشنطن على السيطرة على موارد الطاقة في فنزويلا، وإدارة مبيعات النفط الفنزويلي لفترة غير محددة، بالإضافة إلى الضغط على كاراكاس لطرد المستشارين الروس والصينيين والإيرانيين، مع احتجاز ناقلات نفط روسية في شمال المحيط الأطلسي، وهو ما اعتبرته موسكو انتهاكا للقانون البحري.

في موازاة ذلك، تتأهب فرنسا وحلفاؤها لإعداد خطط للرد على أي تحرك عسكري محتمل بشأن غرينلاند، في مؤشر إلى إعادة تشكيل محتملة لموازين القوى الإقليمية والدولية وفتح مرحلة جديدة من السياسات القائمة على الضغط المباشر لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.

الولايات المتحدة وأمنها القومي.. استراتيجيات متعددة القارات

أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة فلوريدا أتلانتيك، روبرت رابيل، خلال حديثه إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، أن السياسة الأميركية الحديثة لم تنطلق من فنزويلا فحسب، بل اعتمدت على تقييم شامل لمخاطر الأمن القومي بدءا من نصف الكرة الغربي وصولا إلى القطب الشمالي.

وأوضح رابيل أن الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس ترامب صاغت استراتيجية جديدة تهدف لحماية أمنها القومي عبر ما أسماه “الهامشفير”، الذي يشمل شمال أميركا وأميركا الجنوبية، مع التركيز على فنزويلا منذ عهد الرئيس هوغو تشافيز، ثم مادورو، نظرا لتحالفاتهم مع إيران وروسيا والصين وأنشطتهم في شبكات التهريب وغسل الأموال والتجسس على الولايات المتحدة.

وأضاف رابيل أن الإدارة الأميركية السابقة لم توضح سياستها بما يكفي، وكان من الضروري بذل جهد أكبر لضمان أمن البلاد، مشيرًا إلى أن التغيير في فنزويلا كان ضرورة استراتيجية للحفاظ على الأمن القومي الأميركي ومواجهة التهديدات المحتملة.

غرينلاند والقطب الشمالي.. موارد وأهمية استراتيجية

استعرض رابيل أهمية غرينلاند، ليس فقط كموقع جغرافي، بل لاحتوائها على 20% من احتياطات المياه العذبة و30% من احتياطات الغاز والمعادن، وللأهمية الإستراتيجية للقطب الشمالي حيث تسيطر روسيا على 6 قواعد عسكرية وتقوم الصين بأبحاث واستخدام الغواصات، ما يعزز الحاجة إلى تعزيز التواجد الأميركي في المنطقة.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تمتلك 3 سفن نووية مهيأة للعمل في ظروف جليدية، وهو ما يبرز أهمية غرينلاند لمواجهة النفوذ الروسي وتأمين مصالح واشنطن في المنطقة القطبية.

النظام الدولي والدور الأميركي

وأشار رابيل إلى أن الولايات المتحدة كانت دائما الدولة الوحيدة التي صانت النظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، وأن أي تصدع في هذا النظام يمثل تحديا مباشرا للأمن القومي الأميركي.

كما اعتبر أن الولايات المتحدة ساعدت العالم من موقع القوة الكبرى، بينما تواجه اليوم منافسة استراتيجية متزايدة من الصين، مما يستدعي تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

وأوضح أن العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وفنزويلا كانت مميزة في الستينات والسبعينات، قبل أن يغير تشافيز سياسة بلاده مما دفع واشنطن إلى إعادة النظر في استراتيجيتها تجاه المنطقة وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.

أوروبا وحصة المسؤولية.. تحالفات تحت الاختبار

أكد رابيل أن الولايات المتحدة لا ترى في العلاقة مع أوروبا فصلا عن مسؤوليتها، بل تفاهما يجب أن يعزز، مشيرا إلى ضرورة أن تتحمل دول الاتحاد الأوروبي نصيبها من الإنفاق الدفاعي، وهو ما يعكس التحديات الجديدة التي تواجه واشنطن في حماية حلفائها وضمان أمن القوة الأوروبية.

وأضاف أن الولايات المتحدة، رغم ديونها البالغة 36 تريليون دولار، ما تزال ملتزمة بصيانة النظام الدولي، لكنها تواجه اليوم ضرورة إعادة تقييم استراتيجياتها في ضوء المنافسة مع الصين وتغير المشهد العالمي.

التحدي الأميركي المستمر

ختم رابيل تحليله بالإشارة إلى أن الأمن القومي الأميركي يشمل مواجهة التهديدات التقليدية والجديدة على حد سواء، من فنزويلا وشبكات التهريب إلى القطب الشمالي والتنافس مع القوى الكبرى.

وأكد أن الإدارة الأميركية يجب أن تستمر في صياغة سياسات واضحة، تعكس مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية، وتوازن بين حماية الأمن القومي والحفاظ على النظام الدولي الذي أسسته منذ عقود.

أوراق القوة الأميركية وحدود الشرعية الدولية

من جهته، اعتبر الباحث في العلاقات الدولية توفيق فويدر شيشي أن الإدارة الأميركية، في عهد دونالد ترامب الثانية، قد تخلت عن القفازات الدبلوماسية واعتمدت سياسة “العصا الغليظة” في التعامل مع العالم.

وأوضح شيشي أن استخدام مفهوم “الأمن القومي” أصبح لدى ترامب ذريعة للاستيلاء على الموارد الدولية، مشيرا إلى أن هذا المنطق استخدم لتبرير التدخل في فنزويلا ومحاولات الاستحواذ على غرينلاند، في حين أن الأمن القومي، وفقا للقانون الدولي، يجب أن يحدد حدوده بوضوح ولا يمكن تبرير التدخل العسكري في شؤون دولة ذات سيادة.

وشدد الباحث على أن التغيير في فنزويلا ليس من اختصاص الجيش الأميركي أو الإدارة الأميركية، بل مسؤولية داخلية تقع على عاتق الفنزويليين أنفسهم، داعيا ترامب إلى احترام الشرعية الدولية ومؤسساتها مثل مجلس الأمن والقوانين الدولية وإعلانات حقوق الإنسان.

وأضاف أن هذا المنطق يجب أن ينطبق أيضا على روسيا وأوروبا، حيث يثار السؤال ذاته: متى يبدأ ومتى ينتهي الأمن القومي؟

وتطرق شيشي إلى محاولات ترامب شراء غرينلاند، مشيرا إلى أنها تثير جدلا دوليا كونها تابعة للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي، وليست تشكل أي تهديد استراتيجي أو أمني.

وأكد الباحث أن دول الاتحاد الأوروبي دعمت الدنمارك سياسيا، وأشار إلى وجود إجماع أوروبي على حماية غرينلاند سياسيا ودبلوماسيا، مع إمكانية تفعيل المادة السابعة من قوانين الاتحاد الأوروبي في حال الاعتداء عليها، والتي تعتبر أي هجوم على دولة عضو هجوما على جميع الدول الأعضاء.

ولفت شيشي إلى أن عرض الولايات المتحدة شراء دولة يعد أمرا غير مسبوق ومرفوضا أخلاقيا وقانونيا، معتبرا أن محاولات ترامب استباق الأحداث وتوسيع نفوذ الولايات المتحدة بعد انتهاء ولايته تشير إلى رغبة في الاستيلاء على ثروات الدول الأخرى.

الضعف الأوروبي

وأشار الباحث إلى أن أوروبا، بما فيها ألمانيا وبريطانيا، لا تزال ضعيفة أمام الولايات المتحدة لأنها تعتمد على الحماية الأميركية في المجال الأمني، مما يجعلها مستهدفة باستفزازات ترامب، بما في ذلك مطالبتها بزيادة مساهماتها في حلف الناتو.

ورغم هذه الضغوط، شدد شيشي على أن أوروبا لا تلتزم تنفيذ كل ما يطلبه ترامب، وأن هناك أدوات سياسية وقانونية تتيح لها الدفاع عن مصالحها وحقوقها.

قانون الغاب أم التحالفات الدولية؟

وحذر شيشي من سيادة منطق “قانون الغاب” في العلاقات الدولية تحت إدارة ترامب، مؤكدا أن بعض الدول، بقيادة ضميرها العالمي، ستتصدى لمحاولات الاستيلاء على الثروات بالقوة.

وأضاف أن ظاهرة ترامب تمثل اختبارا للتحالفات الدولية، مشددا على ضرورة التعامل معها بصبر وحكمة، مع حماية حقوق الدول الأوروبية ومنع الاستيلاء على ثرواتها، سواء في غرينلاند أو أي دولة أوروبية أخرى، رغم الاشتراكات الكبيرة في الحلف الأطلسي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version