ويضع هذا المشهد المتداخل بين شارع محتج، ومواقف أميركية متشددة، ورفع إسرائيلي لمستوى الجاهزية، طهران أمام معادلة معقدة، حيث يتقاطع الضغط الداخلي مع احتمالات التصعيد الخارجي، في لحظة وصفت بأنها شديدة الحساسية.

من جهته، أصدر الحرس الثوري الإيراني، بيانا دعا فيه إلى تحركات مضادة ضد ما وصفهم بـ”الخونة” الذين ينفذون أجندات أميركية وإسرائيلية، في وقت تتواصل فيه الدعوات الشعبية لمزيد من التظاهر احتجاجا على الأوضاع المعيشية، ما يعكس تصعيدا متبادلا في الخطاب والميدان.

الضربة المحتملة: الحسابات الأميركية المعقدة

يطرح أستاذ القانون الدولي هادي دلول، تساؤلا مركزيا حول طبيعة أي ضربة أميركية محتملة، متسائلا أيهما أخطر: توجيه ضربة لإيران بذريعة الاحتجاجات الداخلية أم بذريعة البرنامج النووي.

ويستحضر دلول في حديثه ضمن برنامج غرفة الأخبار على قناة “سكاي نيوز عربية” تجربة سابقة استمرت 12 يوما، حين أوقفت العمليات بعد ساعات محدودة، ما يعكس ـ برأيه ـ ترددا أميركيا في الانخراط في مواجهة مفتوحة.

ويؤكد أن قرار توسيع المعركة أو حصرها ليس بيد الإعلام أو المحللين، بل تحدده مؤسسات القرار في البنتاغون والكونغرس، حيث توزن الكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

ضبط الأمن الداخلي

في الشأن الداخلي الإيراني، يوضح دلول أن انتشار قوات “الباسيج” يأتي في إطار ضبط المخربين ومتابعتهم، بالتوازي مع دوريات مدنية تشكلت من مواطنين لمراقبة أي تحركات غير طبيعية.

ويشدد على أن الهدف الأساسي يتمثل في توقيف المخرب حيا وبحالة جيدة تتيح التحقيق معه، لمعرفة الجهات المحرضة ومصادر التسليح، وليس تصفيته. ويعتبر أن التخريب والحرق والتكسير ممارسات مرفوضة في أي دولة، وأن التعامل معها أمنيا ليس استثناء إيرانيا.

يفصل دلول بوضوح بين حق التظاهر السلمي، وبين الانزلاق إلى العنف والتخريب. ويشير إلى أن تجاوز المؤسسات المنتخبة، مثل مجلس الشورى، يقوض المسار السياسي، خصوصا أن الاعتراض على نزاهة الانتخابات كان يجب أن يتم فور إعلان النتائج. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن التخريب لا يمكن تبريره سياسيا أو قانونيا، مهما كانت طبيعة المطالب. 

ازدواجية المعايير وملف حقوق الإنسان

ينتقد دلول ما يصفه بازدواجية المعايير الغربية، متسائلا عن سبب إدانة الإجراءات الإيرانية مقابل الصمت حيال ما يجري في غزة من قتل للأطفال، أو ما قامت به الشرطة الأميركية في احتجاجات داخلية.

ويرى أن العدالة في القانون الدولي تقتضي معاملة جميع الأطراف بمعيار واحد، سواء في فرض العقوبات أو في توصيف الانتهاكات.

وفي استشرافه للمشهد الإقليمي، يرجح دلول أن أي ضربة أميركية محتملة ستكون خارج الأراضي الإيرانية، ولا سيما في العراق، في إطار محاولة حفظ التوازن وتجنب مواجهة مباشرة. لكنه في المقابل يؤكد أن الشارع الإيراني بات عاملا حاسما، وأن أي تقاعس عن الرد قد يفتح الباب أمام تداعيات داخلية كبرى.

الشارع كحكم نهائي

يختم دلول بالإشارة إلى أن الكلمة الفصل ستكون للشارع، معتبرا أن حجم المشاركة وطبيعتها سيحددان اتجاهات المرحلة المقبلة.

ويؤكد أن أي تصعيد خارجي قد يؤدي إلى مزيد من تماسك الداخل، محذرا في الوقت ذاته من أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة سيحمل تداعيات تتجاوز حدود إيران إلى الإقليم بأسره.

تدويل الاحتجاجات وشرعنة الضغوط

يرى مدير برنامج الدراسات الإقليمية بمركز دراسات الشرق الأوسط، نبيل العتوم، أن التهديدات الأميركية الأخيرة، كما يعكسها خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تندرج ضمن سياسة “تراجع عالي السقف”، هدفها الأساسي توجيه رسائل مباشرة إلى النظام الإيراني.

ويضيف أنه ووفق هذا الطرح، تسعى واشنطن إلى تدويل الاحتجاجات الإيرانية وإخراجها من إطارها الداخلي، بما يجعلها قضية دولية تبرر اعتماد استراتيجيات ضغط جديدة، تشمل شرعنة الضغوط الوسطى على القيادات السياسية والأمنية، وتقييد دور الأجهزة الأمنية، بالتوازي مع رفع معنويات الشارع الإيراني. 

يشير العتوم إلى أن المرحلة الحالية تمثل نقطة مفصلية، في ظل تصاعد غير مسبوق للعنف ضد المتظاهرين، وارتفاع أعداد الضحايا إلى مستويات لافتة.

ويعتبر أن انتقال التهديد الأميركي من المستوى السياسي إلى العسكري يعكس دخول التحذيرات مرحلة التخطيط العملياتي. ويتجلى ذلك في بحث خيارات ضرب إيران، مع تركيز غير تقليدي على الأهداف المحتملة، التي قد تشمل مقار الحرس الثوري، وقوات الباسيج، والأجهزة الاستخبارية، ما يعكس تحولا في العقيدة الأميركية نحو ما يسميه “الردع السلوكي”.

سيناريوهات الضربة العسكرية والتصعيد الداخلي

ضمن هذا السياق، يطرح العتوم خيارين رئيسيين: ضربة محدودة ومركزة تطال مواقع حساسة للنظام الإيراني، أو ضربة ردعية أشمل تستغل التطورات الداخلية للقضاء على ما تبقى من البرنامجين النووي والصاروخي، وربما استهداف قيادات عليا، مستندا إلى تهديدات سابقة صدرت عن واشنطن وتل أبيب.

على المستوى الداخلي، يؤكد العتوم أن الاحتجاجات تسير في مسار تصاعدي تراكمي، تتعزز قوتها عبر الانتشار الجغرافي الواسع واستمراريتها.

ويبرز تآكل السيطرة الأمنية في بعض المناطق، مقابل لجوء النظام إلى تكتيكات دموية في محاولة لاستعادة الهيبة. كما يحذر من احتمال انخراط البيئات المهمشة في محافظات ذات حساسية أمنية عالية، حيث تختلط المطالب الاجتماعية بالاحتقان التاريخي.

يلفت العتوم إلى غياب القيادة الرمزية التقليدية التي ميزت احتجاجات سابقة، مقابل محاولة رضا بهلوي ملء الفراغ عبر توظيف الحنين إلى الماضي، والدعوة إلى الإضراب، والسيطرة على الساحات، وتدويل الحراك مستفيداً من رصيده الدولي.

سيناريوهات التغيير المحتملة

يخلص العتوم إلى أن النزيف الداخلي مرشح للاستمرار، في ظل عجز النظام عن معالجة أزماته البنيوية. ويطرح 4 سيناريوهات للتغيير: التفكك البطيء، أو الانفجار والفوضى، أو انهيار سريع، أو مسار هجين يجمع بين هذه النماذج.

ويبقى العامل الحاسم، وفق تقديره، مدى تماسك الأجهزة الأمنية والعسكرية، إذ إن تماسكها يطيل عمر النظام، فيما يعجل انقسامها بالسقوط.

تهديدات متبادلة واحتمالات التصعيد

يرى الضابط السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية سكوت أولنجر، خلال حديثه إلى غرفة الأخبار أن إيران تسعى إلى توجيه رسائل تهديد مباشرة للولايات المتحدة عبر التلويح باستخدام الصواريخ الباليستية، في توقيت يتوقع أن يكون قريبا.

ويقابل ذلك، بحسب تحليله، استعداد أميركي لخطوات عملية متدرجة، قد تتسارع في ضوء التقارير المتداولة عن سقوط آلاف القتلى من المتظاهرين داخل إيران، ما يفتح الباب أمام مسار تصعيدي متدرج.

في الداخل الإيراني، يلفت أولنجر إلى أن قوات الباسيج، وفق توصيفه، عاجزة عن احتواء الاحتجاجات المتسعة يوما بعد يوم، الأمر الذي يدفع النظام للاعتماد على الحرس الثوري. كما أشار إلى تقارير تتحدث عن الاستعانة بعناصر خارجية للتصدي للمتظاهرين، في مؤشر على هشاشة الولاءات داخل المؤسسة العسكرية التقليدية.

وعند الحديث عن أي مواجهة محتملة، يوضح أولنجر أن الاستهداف الأميركي، في حال حصوله، سيركز على مراكز القيادة والسيطرة التابعة للنظام، مع وضع الحرس الثوري في صدارة الأهداف، باعتباره القوة الأكثر تأثيرا.

ويرى أن قائمة الأهداف لا تقتصر على رأس النظام، بل تمتد إلى قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية المرتبطة به. 

الغضب الشعبي وسردية النظام

يؤكد أولنجر أن ملايين الإيرانيين يعيشون حالة إحباط وغضب عميقين، نتيجة عقود من الحكم الذي يصفه بالقمعي، معتبرا أن قتل المتظاهرين يزيد من تعقيد الأزمة.

وفي المقابل، ينتقد رواية النظام التي تحمل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الاحتجاجات، معتبرا ذلك محاولة لصرف الأنظار عن المطالب الداخلية المشروعة.

ويخلص أولنجر إلى أن الإدارة الأميركية، في تقديره، تفضل أن يكون التغيير نابعا من الداخل الإيراني، مع الاكتفاء بدعم جانبي محدود، تجنبا لإضفاء طابع التدخل الخارجي على الحراك الشعبي، في وقت تبقى فيه احتمالات التطور مفتوحة على سيناريوهات متعددة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version