وتضع الاحتجاجات الشعبية الواسعة والأزمة الاقتصادية الخانقة والاستقطاب الحاد في البيئة الإقليمية والدولية النظام الإيراني أمام معادلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع حسابات البقاء الداخلي مع رهانات السلوك الخارجي.

وفي خضم هذا المشهد المركب، تتباين القراءات حول أهداف الولايات المتحدة، وحدود الدور الإسرائيلي، وإمكانية تحول الاحتجاجات إلى مدخل لتغيير عميق، أو إلى أداة ضغط لإعادة ضبط سلوك طهران إقليميا ودوليا.

تحول بنيوي لا عودة عنه

يرى الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول أن إيران تقف اليوم عند مرحلة مفصلية بلغت فيها “نقطة اللاعودة”، بحيث بات من الصعب عودتها إلى ما كانت عليه قبل عامين، وقبل أحداث السابع من أكتوبر.

ووفق تحليل الزغول خلال حديثه إلى “غرفة الأخبار” على “سكاي نيوز عربية”، فإن المخاض الجاري سينتج حالة جديدة في إيران، قد لا تصل إلى فراغ سياسي أو تغيير شامل في النظام، لكنها ستقود حتما إلى تغيير ملموس وجوهري في سلوك النظام.

ويوضح المتحدث أن الأزمات التي راكمتها الحكومات الإيرانية خلال العقدين الماضيين انفجرت دفعة واحدة، في مزيج سياسي واقتصادي واجتماعي وبيئي وخارجي.

ويضيف أن هذا التحول يأتي في سياق إقليمي انتقلت فيه إيران من قوة تسعى للهيمنة وقيادة المنطقة إلى قوة متوسطة فقدت جزءا رئيسيا من منظومة ردعها، وتقلصت قدراتها الاقتصادية بأكثر من 60 بالمئة خلال السنوات العشر الماضية.

الضغط الأميركي وحدود تغيير النظام

يشدد الزغول على أن ما يهم العالم ليس هوية الحاكم في طهران بقدر ما هو السلوك الإيراني. ويرفض توصيف الضغوط على أنها “عضوية”، مؤكدا أن العقوبات الأميركية القاسية هي العامل الحاسم في إيصال إيران إلى وضعها الحالي، في إطار صراع مصالح مع قوة مهيمنة في النظام الدولي.

وحسب تحليله، فإن هدف واشنطن هو إخضاع إيران وتعديل سلوكها، لا تغيير نظامها، باعتبار أن إسقاط النظام عملية شبه مستحيلة وكلفتها باهظة.

ويشير الزغول إلى أن القيادة الإيرانية تواجه خيارا حاسما بين الحفاظ على بقائها أو الاستمرار في مشروعها الإقليمي القائم على الميليشيات والبرنامج الصاروخي والنووي.

التحليل الاستراتيجي الإسرائيلي والإيراني

أكد الأستاذ الزائر في الناتو والأكاديمية الملكية العسكرية ببروكسيل، سيد غنيم، أن الأحداث الحالية في المنطقة ليست عشوائية، بل هي نتيجة مباشرة لتخطيط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

واعتبر غنيم نتنياهو المحرك الاستراتيجي الأول لما يجري، مؤكدا أن الهدف الإسرائيلي الأساسي يتمثل في تغيير معادلة النفوذ والقوة لصالح إسرائيل، مع ضرب أذرع إيران الإقليمية قبل استهداف القدرات العسكرية الشاملة للبلاد. وأضاف أن تركيا تدخل في هذه المعادلة، ما يعكس تحولات معقدة في مستوى النفوذ الإقليمي.

وأشار غنيم إلى أن الهدف الإسرائيلي الأقصى هو تغيير النظام الإيراني أو إسقاط رأسه، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة للتحرك بما يخدم مصالح إسرائيل، مع محاولة سحب إيران إلى المفاوضات وفق شروط أميركية صارمة.

ولفت إلى أن الحرس الثوري يمثل الركيزة الأساسية للسلطة في إيران، وليس الجيش النظامي، مما يجعل أي تغير في النظام الإيراني معقدا ومحملا بتداعيات كبيرة على الداخل والخارج.

الشارع والحراك المطلبي

قدم مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية، مصدق بور، تشخيصا مركبا يربط بين الحراك المطلبي الداخلي، والاختلالات الاقتصادية البنيوية، والتدخلات الخارجية، مؤكدا أن المشهد الإيراني لا يمكن اختزاله في عامل واحد أو مقاربة تبسيطية.

يرى مصدق بور أن الشارع قادر على إرباك الحاكم، وأن الحراك المدني المطلبي سيترك أثرا مباشرا على السياسات الاقتصادية، في ظل أداء اقتصادي خاطئ وسياسات حكومية غير ناجعة، ما فاقم منسوب الاحتقان الاجتماعي.

ويشدد مصدق بور على وجود تدخل أميركي وإسرائيلي واضح، متحدثا عن عناصر مندسة ارتكبت أعمال عنف تشبه ما جرى في سوريا. ويستند في ذلك إلى اعترافات إسرائيلية بوجود مجندين داخل إيران، وتبني تل أبيب لعمليات اغتيال وتخريب.

ويؤكد أن جذور الأزمة تعود إلى 4 عقود من العقوبات التي أنهكت الاقتصاد، مع انقسام داخل القيادة بين نهج “الاقتصاد المقاوم” والتوجه شرقا، وبين الرهان على التفاوض مع الولايات المتحدة، ما عطل اتخاذ حلول اقتصادية فعالة.

يعتبر مصدق بور أن النظام محق في تفنيد نظرية المؤامرة، مع إقراره بتدخل واشنطن في شؤون دول عدة، مرجحا أن يشهد الاقتصاد تغييرات جوهرية وتحسنا نسبيا، مع استبعاد توجيه ضربة أميركية لإيران أو إسقاط النظام، وفق المعطيات الراهنة.

تحولات الموقف الأميركي

يرى مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، توم حرب، أن ترامب، مع بداية ولايته الثانية، لم يكن مؤيدا لإسقاط النظام الإيراني، بل انخرط في مسار تفاوضي تعددت جولاته، غير أن الجانب الإيراني، وفق توصيفه، اعتمد سياسة المماطلة.

ويشير إلى أن جدية ترامب ارتبطت بتقييم النتائج، خاصة بعد انكشاف القدرات العسكرية الإيرانية خلال المواجهات في يونيو الماضي، حيث تبين محدوديتها أمام العمليات الجوية الإسرائيلية.

وبحسب حرب، شكل هذا الانكشاف صدمة للرأي العام الإيراني، بعدما روج النظام طوال 47 عاما لامتلاكه قدرات استراتيجية كبرى.

ويضيف أن العجز العسكري ترافق مع تدهور اقتصادي متسارع، ما أعاد إلى الواجهة مشاهد احتجاجية شبيهة بالثورة الخضراء عام 2009، والحراك النسوي في 2022، مع غياب دعم أميركي مباشر في تلك المراحل.

يوضح حرب أن الإدارة الأميركية، استنادا إلى مبادئ دستورية، تدعم حق التظاهر السلمي، وتعتبر قمعه مدخلا لتدخل دولي أوسع. كما يشير إلى اتصالات جديدة لبدء مفاوضات مختلفة شكلا ومضمونا عن سابقاتها، بالتوازي مع قناعة متنامية لدى ترامب بضرورة تغيير النظام بأسلوب “ناعم”.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version