خاصكيف سيواجه “وارش” تركة الميزانية العمومية دون إرباك الأسواق؟لم يعد الجدل الدائر في أروقة “وول ستريت” مقتصراً على نسب خفض أسعار الفائدة أو توقيتها، بل انتقل إلى صلب العقيدة المالية التي حكمت واشنطن لعقود. فمع صعود كيفن وارش لقيادة الاحتياطي الفيدرالي، باتت التركة الثقيلة التي خلّفتها سياسات التيسير الكمي – والمتمثلة في ميزانية عمومية تتجاوز 6.6 تريليون دولار- تحت مجهر التصحيح الجذري.هذا التحول لا يمثل مجرد تغيير في الأسماء، بل هو إيذان بمرحلة قد تُعاد فيها صياغة علاقة البنك المركزي بالأسواق وبالسلطة التنفيذية على حد سواء، وسط ترقب مشوب بالحذر من تداعيات الانكماش المفاجئ في السيولة.
وأمام هذا المشهد، تفرض الضرورة طرح تساؤلات جوهرية، أبرزها، هل يبدأ “وارش” تفكيك إرث التيسير الكمي؟ وكيف سيواجه “وارش” تركة الميزانية العمومية دون إرباك الأسواق؟ وهل تصطدم طموحات “وارش” برغبة ترامب في خفض تكاليف الاقتراض؟
صدام الأجندات: ميزانية الـ 6.6 تريليون دولار في الميزان
إن اختيار كيفن وارش لقيادة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نقل ثقل النقاش في الأوساط المالية من وتيرة خفض أسعار الفائدة إلى التساؤل حول مصير الميزانية العمومية للبنك البالغة 6.6 تريليون دولار ودوره في الأسواق، بحسب تقرير نشرته وكالة “بلومبرغ” واطلعت عليه “سكاي نيوز عربية.
وأوضح التقرير أن وارش، المعروف بانتقاداته الحادة لسياسات البنك السابقة، يرى في هذا التضخم “تجاوزاً” يجب معالجته، وهو ما أدى فوراً إلى تحركات في سوق السندات، حيث ارتفعت عوائد الخزانة طويلة الأجل، بينما تلقى الدولار دعماً مقابل هبوط حاد في أسعار الذهب والفضة.
وأشار إلى أن رؤية وارش تتقاطع بشكل وثيق مع توجهات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، حيث يطمح كلاهما إلى إنهاء حقبة “التغول النقدي”. ونقل التقرير عن زاك غريفيث، رئيس استراتيجية الماكرو في “CreditSights”، تأكيده أن وارش كان دائماً صوتاً معارضاً للتوسع المفرط في ميزانية البنك المركزي، مما يعزز التوقعات بتحرك سريع لتقليص الأصول.
عبء الديون وانتقال المهام للخزانة
ولفت التقرير إلى أن مهمة وارش لن تكون يسيرة، إذ إن تقليص الميزانية قد يرفع تكاليف الاقتراض طويل الأجل، مما يضع الفيدرالي في مسار متصادم مع رغبة الإدارة في الحفاظ على تكاليف منخفضة لدعم قطاعات مثل الإسكان.
ونقلت الوكالة الأميركية عن عن غريغ بيترز، المسؤول في “PGIM Fixed Income”، أن رفض وارش لاستخدام الميزانية العمومية كأداة لضغط العوائد سيلقي بعبء إدارة توازنات السوق على عاتق وزارة الخزانة، خاصة في ظل وصول الدين الوطني إلى مستويات قياسية تتجاوز 30 تريليون دولار.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن الضغوط بدأت تظهر بالفعل، ففي يناير الماضي، وجه ترامب شركتي “فاني مي” و”فريدي ماك” لشراء سندات رهنية بقيمة 200 مليار دولار، في محاولة استباقية لامتصاص تداعيات تراجع دور البنك المركزي في دعم الأسواق، وهو ما يجسد الصراع القادم بين سياسة “وارش” المتشددة واحتياجات التمويل الحكومي المتزايدة.
بين الترويج السياسي وتعقيدات الواقع
في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” يرى الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة، أن هناك حالة من “تعليق الآمال الكبيرة” على كيفن وارش، مدفوعة بتهيئة إعلامية من الرئيس ترامب توحي بأن الحلول السحرية للاقتصاد ستتحقق خلال شهور قليلة.
وأوضح أن هذه المناخات تهدف لرفع قيمة الأسواق وتشجيع الاستثمار عبر خفض أسعار الفائدة، لكنه أعرب في الوقت ذاته عن تخوفه من “اصطدام وارش بالواقع” عند دخوله معترك التنفيذ، حيث قد تفرض البيانات الاقتصادية والتعقيدات الإجرائية مساراً مغايراً للتوقعات المتفائلة.
وأكد الدكتور بدرة أن الاحتياطي الفيدرالي أشار مؤخراً إلى خفض الفائدة مرتين فقط خلال عام 2026 لمحاصرة التضخم المستمر، لافتاً إلى وجود أزمات هيكلية في سوق العمل لا تزال تعيق صانع القرار النقدي.
وتساءل الخبير الاقتصادي بدرة عما إذا كان تغيير الشخصيات كفيلاً بالتعامل مع البيانات المعقدة، أم أن الأمر لا يتعدى كونه “حملة ترويجية” تصف وارش بالمنقذ، في حين أن المخاطر التضخمية لا تزال قائمة والنمو العالمي يظل دون المستويات المطلوبة وفقاً لتقارير صندوق النقد والبنك الدوليين.
كما أشار الدكتور بدرة إلى وجود تناقض واضح بين الدعاية الحالية والتوجهات الاقتصادية للرئيس ترامب، فبينما يستهدف ترامب خفض قيمة الدولار لدعم التنافسية، أدى إعلان ترشيح وارش إلى نتائج عكسية بزيادة قوة الدولار وتراجع المعادن النفيسة.
واختتم بدرة حديثه بالدعوة إلى “التمهل وعدم التسرع” في الحكم، معتبراً أن استجابة الأسواق والسندات الحالية قد يعقبها عمليات جني أرباح أو تصحيح سعري، بانتظار معرفة ما إذا كان وارش يمتلك بالفعل “عصا سحرية” لتحسين القدرات الاقتصادية، أم أن الزخم الحالي هو مجرد دعاية تسبق التعيين الرسمي.
صراع الاستقلالية والتبعية
من جهته، قال الخبير الاقتصادي حسين القمزي في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: “مع ان اختيار كيفن وارش غير مؤكد حتى الآن إلا أننا أمام احتمال تعيين مرشح بارز أصبح رمزاً للجدل الدائر اليوم في واشنطن و وول ستريت ليس تقنيًاً فقط حول توقيت خفض الفائدة أو حجمه، بل انتقل إلى سؤال أعمق: ما هو الدور الطبيعي للاحتياطي الفيدرالي بعد أكثر من عقد من الاعتماد شبه الدائم على التيسير الكمي؟، ومن هنا تبرز أهمية صعود كيفن وارش ليس كشخص، بل كرمز لتحول فكري محتمل داخل المؤسسة النقدية الأميركية”.
وارش لا ينظر إلى التيسير الكمي باعتباره خطأ، لكنه يرفض اعتباره وضعاً دائمًاً . في رؤيته، هذه السياسات هي أدوات طوارئ لمواجهة أزمات استثنائية، لكنها تحولت بمرور الوقت إلى مصدر تشوّه هيكلي في تسعير المخاطر، وتضخيم غير صحي في الاعتماد على سيولة البنك المركزي. لذلك، الحديث هنا ليس عن أنهاء صادم للتيسير الكمي، بل عن إعادة تطبيع السياسة النقدية وإخراج الأسواق من حالة الاعتماد المزمن على دعم الفيدرالي، بحسب تعبيره.
أما فيما يتعلق بالميزانية العمومية الضخمة، التي تتجاوز 6.6 تريليون دولار، قال القمزي: “التحدي الحقيقي لا يكمن في حجمها بحد ذاته، بل في كيفية إدارتها نفسياً وتوقعياً في الأسواق. وارش يدرك أن أي تقليص حاد أو بيع مباشر للأصول قد يخلق اضطراباً مالياً غير ضروري، لذلك يُرجّح أن يعتمد نهجاً تدريجياً هادئاً يقوم على تقليص تلقائي عبر عدم إعادة استثمار السندات المستحقة، مع تواصل شفاف ومسبق يهدف إلى تهدئة التوقعات قبل أن تهدئة السيولة نفسها. في هذا الإطار، الرسالة الأهم ليست في الأرقام، بل في إزالة عنصر المفاجأة”.
وأوضح أن “الاختبار الأصعب لن يكون تقنياً بل سياسياً، فهنا يبرز التوتر البنيوي بين فلسفة وارش النقدية ورؤية ترامب الاقتصادية”.
وذكر الخبير الاقتصادي القمزي أن الإدارة السياسية تميل بطبيعتها إلى تفضيل تكاليف اقتراض منخفضة تدعم النمو السريع والأسواق والأسهم، خصوصاً في بيئة انتخابية حساسة. في المقابل، يرى وارش أن خفض تكلفة المال بشكل مصطنع يراكم اختلالات أكبر، ويقوّض مصداقية البنك المركزي على المدى المتوسط.
وأضاف: “وهكذا، فنحن لا نتحدث عن صدام شخصي، بل عن صراع فلسفي: هل تكون السياسة النقدية أداة لدعم الأجندة السياسية قصيرة الأجل؟، أم صمام أمان للاستقرار المالي طويل الامد حتى لو تطلب ذلك قرارات غير شعبية؟”.
واختتم القمزي حديثه بقوله: “في المحصلة، إذا بدأ وارش تفكيك إرث التيسير الكمي، فلن يفعل ذلك عبر صدمة ، بل عبر مسار بطيء متدرج يعيد تعريف حدود تدخل الفيدرالي في الأسواق. النجاح هنا لن يُقاس بسرعة تقليص الميزانية العمومية، بل بقدرة الاحتياطي الفيدرالي على استعادة استقلاله الذهني، وإقناع الأسواق بأن عصر السيولة المجانية الدائمة قد انتهى… دون أن يبدأ عصر الاضطراب”.
استعادة حدود أوضح بين السياسة النقدية والدعم المالي
بدوره، قال الرئيس التنفيذي لمركز “كوروم” للدراسات الاستراتيجية، طارق الرفاعي، في حديث خاص لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: “لقد أعادت احتمالية تولي كيفن وارش رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي تركيز النقاش بعيدًا عن تخفيضات أسعار الفائدة ونحو التداعيات الأعمق لبرنامج التيسير الكمي نفسه. لطالما كان وارش متشككًا في حجم برنامج التيسير الكمي واستمراريته، لذا من غير المرجح أن يؤيد بشكل كامل نظام الميزانية العمومية لما بعد الأزمة. ومع ذلك، من المرجح أن يكون تفكيك هذا النظام تدريجيًا وليس مفاجئًا. فالتراجع السريع يهدد بإعادة إشعال التقلبات في أسواق سندات الخزانة والرهن العقاري، وهو أمر يدركه وارش من خلال تجربته في مجلس الاحتياطي الفيدرالي”.
ويرجح الرفاعي اتباع استراتيجية تطبيع بطيئة. وهذا يعني السماح للأصول بالانخفاض تدريجيًا عند استحقاقها، وتشديد الأوضاع المالية من خلال سياسة الميزانية العمومية بدلاً من رفع أسعار الفائدة الرئيسية، واستعادة حدود أوضح بين السياسة النقدية والدعم المالي. سيكون الهدف هو تقليص دور الاحتياطي الفيدرالي دون إحداث صدمة سيولة أو إثارة حالة من الذعر،
وأضاف: “يكمن التحدي الأكبر في الجانب السياسي. فقد يتعارض ميل وارش إلى الانضباط النقدي الأكثر صرامة مع تفضيل دونالد ترامب لانخفاض تكاليف الاقتراض وتسهيل الأوضاع المالية. هذا الاحتكاك سيختبر استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. إذا تحرك وارش بحذر، فقد يُصوّر خفض الميزانية العمومية على أنه استقرار طويل الأجل بدلاً من تشديد قصير الأجل، لكن التضارب في الأولويات حقيقي ولا مفر منه.
ماكغواير: إعلان ترامب عن مرشحه للفيدرالي هزّ المعادن النفيسة
أخبار شائعة
- 8.7 مليار دولار إيرادات "باي بال" الأميركية في الربع الأخير
- محمد بن سلمان يبحث مع أردوغان العلاقات الثنائية
- مجموعة تيكوم تحقق إيرادات قياسية بلغت 2.9 مليار درهم في 2025
- توقيف أكثر من 50 ألف شخص على وقع الاحتجاجات في إيران
- انفلات أمني شامل.. تحذيرات من "سيناريو كارثي" في السودان
- اختبار ثوري جديد يكشف مبكرا عن سرطان البنكرياس
- خل التفاح والعسل.. تعرف على فوائد "مزيج سحري"
- تقرير: أرباح هائلة جنتها شركات عسكرية إسرائيلية من حرب غزة





