خاصالرئيس الأميركي دونالد ترامبيُشعل احتمال انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية التجارة مع كندا والمكسيك موجة جديدة من القلق في أسواق أميركا الشمالية، بعدما كشفت تسريبات عن نقاشات داخلية في واشنطن يقودها الرئيس دونالد ترامب لإعادة النظر في جدوى الاتفاق الذي وُقّع خلال ولايته الأولى.بينما تحاول الإدارة إبقاء خياراتها التفاوضية مفتوحة، يتزايد الغموض حول مستقبل سلاسل التوريد والتدفقات التجارية التي تقوم عليها صناعات حيوية، في وقت يحذر فيه خبراء من أن مجرد التلويح بالانسحاب كفيل بإرباك الاستثمارات وزعزعة استقرار الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.
وينقل تقرير لـ “بلومبيرغ” عن مصادر مطلعة قولهم إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “يفكر سراً في الانسحاب من اتفاقية التجارة لأميركا الشمالية، مما يزيد من حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاتفاقية في المفاوضات المحورية التي تشمل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك”.
سأل الرئيس ترامب مساعديه عن سبب عدم انسحابه من الاتفاقية التي وقعها خلال ولايته الأولى، على الرغم من أنه لم يلمح بشكل قاطع إلى أنه سيفعل ذلك، وفقاً للمصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتهم لوصف المناقشات الداخلية.
وصف مسؤول في البيت الأبيض، رداً على سؤال حول المناقشات، ترامب بأنه صاحب القرار النهائي، وأنه يسعى دائماً لتحقيق مصلحة الشعب الأميركي. وأضاف المسؤول أن النقاش حول أي إجراء محتمل لم يكن سوى تكهنات لا أساس لها قبل إعلان الرئيس.
كما قال مسؤول في مكتب الممثل التجاري الأميركي جيمسون جرير إن الموافقة الشكلية على شروط عام 2019 لم تكن في المصلحة الوطنية، وأن الإدارة تعتزم إبقاء خيارات ترامب مفتوحة والتفاوض لمعالجة القضايا التي تم تحديدها.
وقال جرير يوم الثلاثاء إن الإدارة ستجري محادثات منفصلة مع المكسيك وكندا، مُشيراً إلى أن العلاقات التجارية مع كندا أكثر توترًا. ولم يُوضح ما إذا كان ترامب سيوافق على تمديد الاتفاقية.
ونقلت فوكس نيوز عن جرير قوله: “بشكل عام، ستجري هذه المفاوضات بشكل ثنائي ومنفصل، والمكسيكيون يتسمون بالواقعية الشديدة في الوقت الحالي. لقد أجرينا معهم الكثير من المناقشات. أما مع الكنديين، فالأمر أكثر تعقيداً”.
اضطراب اقتصادي
في هذا السياق، يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) من شأنه أن يُحدث اضطراباً اقتصادياً واسع النطاق وتعقيداً سياسياً كبيراً في أميركا الشمالية.
الاتفاقية، التي حلت محل “نافتا”، تُشرف حالياً على تجارة سنوية تُقدّر بنحو 1.5 تريليون دولار، فيما تتكامل سلاسل التوريد بشكل عميق في قطاعات السيارات والزراعة والطاقة والتصنيع.
التجارة لن تتوقف في حال قررت واشنطن الانسحاب، إلا أن الرسوم الجمركية ستعود على الأرجح إلى مستويات منظمة التجارة العالمية، ما يعني ارتفاع التكاليف، وإبطاء وتيرة الاستثمار العابر للحدود، وتراجع حجم التجارة تدريجيًا، لا سيما في قطاعي السيارات والسلع الصناعية، حيث تُعد قواعد المنشأ عنصرًا محوريًا في هيكلة الإنتاج وفقًا لاتفاقية USMCA.
وفيما يتعلق بواقعية هذا السيناريو، يشير الرفاعي إلى أن الرئيس الأميركي يمكنه من الناحية القانونية بدء إجراءات الانسحاب، غير أن الأمر لن يكون سلساً؛ إذ من المرجح أن يتدخل الكونغرس بحكم ارتباط الاتفاقية بتشريعات تنفيذية داخلية. كما أن معارضة قطاع الأعمال في الدول الثلاث ستكون قوية، ما يجعل الانسحاب الكامل ممكنًا من الناحية النظرية، لكنه صعب سياسياً وعملياً.
وحول المستفيدين، يوضح الرفاعي أن بعض المنتجين المحليين المحميين قد يستفيدون على المدى القصير من ارتفاع الرسوم الجمركية، إلا أن الصورة الأوسع تُظهر أن المصدرين والمزارعين والمصنعين وحتى المستهلكين سيتحملون تكاليف أعلى، فضلًا عن احتمالات الردود الانتقامية التجارية.
ويختتم الرفاعي حديثه بالإشارة إلى أن التفسير الأكثر ترجيحاً لأي تصعيد من هذا النوع يتمثل في استخدامه كورقة ضغط تفاوضية، سواء لتشديد القواعد، أو معالجة اختلالات تجارية، أو انتزاع تنازلات تتعلق بملفات العمل والهجرة والسياسة الصناعية. لكنه حذّر من أن مجرد التلويح بالانسحاب قد يكون كافياً لإثارة حالة من عدم اليقين تُثبط الاستثمارات وتُزعزع استقرار الأسواق في أميركا الشمالية.
أزمة الجسر
ويشير تقرير لـ theglobeandmail إلى أن التهديد الأخير الذي أطلقه الرئيس الأميركي بمنع افتتاح جسر جوردي هاو الدولي يُظهر مدى تدهور العلاقات الكندية الأميركية.
من المقرر افتتاح الجسر الثاني الذي يربط بين وندسور وديترويت، بتكلفة 6.4 مليار دولار أميركي، والممول من كندا، هذا العام.
صرّح ترامب يوم الاثنين قائلاً: “لن أسمح بافتتاح هذا الجسر حتى يتم تعويض الولايات المتحدة بالكامل عن كل ما قدمناه لها”.
بحسب التقرير، فإنه حتى لو رفضت المحكمة العليا الأميركية استخدام قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية في قرارها المرتقب (بخصوص رسوم ترامب الجمركية)، فلن تنتهي الأزمة، إذ بإمكان ترامب استخدام قوانين أخرى، لا سيما المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، وهو قانون تم استخدامه مجددًا خلال ولايته الأولى.
هذا القانون وغيره من القوانين التي تسمح بإصدار الأوامر التنفيذية أكثر تعقيداً في الاستخدام، لكن المهم هو أن ترامب لن يتراجع عن استخدام التعريفات الجمركية كأداة أساسية في سياسته التجارية، وفق التقرير.
ويضيف التقرير:
لن تفيد عملية مراجعة اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) كندا.
تنص الاتفاقية على أن تتولى لجنة التجارة الحرة التابعة لها إجراء المراجعة، وتنص على أنه في حال عدم موافقة الحكومات الثلاث على تمديد الاتفاقية لمدة 16 عامًا، يتعين على اللجنة إجراء مراجعات سنوية حتى تاريخ انتهاء الاتفاقية في عام 2036.
إلا أن اللجنة ليست هيئة مستقلة قائمة بذاتها، بل هي مجرد هيئة شكلية مؤقتة، تتألف من وزراء التجارة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
كان افتقار اللجنة للاستقلالية والسلطة يهدف إلى منح الولايات المتحدة أقصى قدر من النفوذ.
لن تكون المراجعة عملية منظمة، بل محاولة من كندا والمكسيك للتفاوض على تسوية بشأن الرسوم الجمركية مع الحفاظ على اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) بشكل أو بآخر.
بالنظر إلى تصريحات الرئيس بأن اتفاقية USMCA “غير ذات صلة”، واستنادًا إلى التوترات والتهديدات التي شهدناها خلال الأشهر الماضية، قد يطالب ترامب وفريقه بتجاوز العملية برمتها والتحول إلى إعادة التفاوض على الاتفاقية بأكملها.
انعطافة خطيرة
بدوره، يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
الانسحاب المحتمل للولايات المتحدة من اتفاقية USMCA يمثل نقطة انعطاف خطيرة في العلاقات الاقتصادية ضمن منظومة أميركا الشمالية.
تداعيات ذلك قد تتجاوز الإطار الثلاثي لتطال مكانة واشنطن الاقتصادية عالمياً.
على المستوى الداخلي الأميركي، الانسحاب سيؤدي إلى تفكيك سلاسل التوريد الإقليمية التي أصبحت مركزية لقطاعات حيوية مثل صناعة السيارات والإلكترونيات والآلات الصناعية.
شركات السيارات الأميركية تعتمد بشكل كبير على مكونات كندية ومكسيكية، كما أن فرض رسوم جمركية جديدة قد يرفع تكلفة السيارات بمئات أو حتى آلاف الدولارات، وهو ما سينعكس مباشرة على المستهلك الأميركي ويغذي الضغوط التضخمية.
ويتابع أن ملايين الوظائف الأميركية تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على التجارة مع كندا والمكسيك، وفق تقديرات غرف التجارة الأميركية، مؤكداً أن أي اضطراب في الاتفاق قد يهدد فرص العمل في الصناعة والزراعة والخدمات، ويضغط على معدلات النمو في عدد من الولايات الأميركية المرتبطة تجارياً بجارَيها.
وفيما يتعلق بالأبعاد السياسية، يشير إلى أن الانسحاب قد يُفسر كتحول نحو نهج انعزالي، ما قد يدفع كندا والمكسيك إلى إعادة توجيه سياساتهما التجارية نحو آسيا وأوروبا، وهو ما يضعف النفوذ الأميركي في مفاوضات اقتصادية كبرى. ويضيف أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي وصف فيها الاتفاق بأنه غير ذي فائدة حقيقية لأميركا أثارت قلق المصنعين الأميركيين الذين يعتبرونه أساساً لقدرتهم التنافسية عالمياً.
أما على صعيد الأسواق والاستثمار، فيؤكد الخفاجي أن مجرد التلويح بالانسحاب خلق حالة من الضبابية في الأسواق، موضحاً أن المستثمرين يراقبون احتمالات فرض رسوم متبادلة قد ترفع تكلفة الواردات وتؤدي إلى تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة، التي تواجه بالفعل ضغوطاً متزايدة بفعل التوترات التجارية العالمية.
ويختتم الخفاجي تصريحاته بالتأكيد على أن الانسحاب من USMCA لن يعيد بالضرورة الوظائف أو يعالج عجز الميزان التجاري كما يُطرح في الخطاب السياسي، بل قد يؤدي إلى زيادة التكاليف على المستهلكين، وتراجع الصادرات، وفرض ضغوط إضافية على العمالة، فضلاً عن إعادة تشكيل التحالفات التجارية الأميركية بشكل أقل فاعلية





