خاصهل يتسبب الاتفاق الهندي الأميركي في هز هيمنة الصين الصناعية؟بعد أكثر من خمسة أشهر من القيود الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الهند، أعلنت كل من واشنطن ونيودلهي الأسبوع الماضي عن توصل الطرفين إلى اتفاقية تجارية جديدة، تهدف إلى إعادة الزخم للعلاقات الاقتصادية بين العملاقين الأميركي والآسيوي.ووفقاً لبيان نشره الموقع الرسمي للبيت الأبيض، فإن أميركا وبموجب الإتفاقية واقفت على إلغاء كامل الرسوم الجمركية “الإضافية”، البالغة نسبتها 25 في المئة على الواردات من الهند، وذلك تقديراً لالتزام نيودلهي بوقف شراء النفط الروسي.
كما قررت أميركا خفض نسبة الرسوم الجمركية “المتبادلة” المفروضة على الهند من 25 في المئة إلى 18 في المئة.
وبالتالي يُصبح مُعدل الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على البضائع الهندية 18 في المئة فقط، وهو مستوى يقل عن الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على على بعض جيران الهند مثل فيتنام والبالغة 20 في المئة.
وبحسب البيت الأبيض، فإن الإتفاقية الجديدة مع نيودلهي، ستفتح السوق الهندية التي تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة أمام المنتجات الأميركية، حيث ستُلغي الهند أو تُخفّض الرسوم الجمركية على جميع السلع الصناعية الأميركية، ومجموعة واسعة من المنتجات الغذائية والزراعية بما في ذلك الحبوب، والذرة، والمكسرات، والفواكه الطازجة والمصنعة، وبعض البقوليات، وزيت فول الصويا، والنبيذ والمشروبات الروحية، ومنتجات أخرى.
كما ستلتزم الهند بشراء المزيد من المنتجات الأميركية، وشراء ما يزيد عن 500 مليار دولار من منتجات الطاقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمنتجات الزراعية، والفحم وغيرها من المنتجات الأميركية.
وأيضاً ستُلغي الهند ضرائبها على الخدمات الرقمية، مع وعد بمعالجة الحواجز غير الجمركية التي تؤثر على التجارة الثنائية في المجالات ذات الأولوية.
وتنص بنود الاتفاقية على التزام الولايات المتحدة والهند بتعزيز التنسيق في مجال الأمن الاقتصادي، بهدف رفع كفاءة ومرونة سلاسل التوريد وتعزيز الابتكار.
كما تتضمن الاتفاقية زيادة ملموسة في حجم التجارة الثنائية للمنتجات التقنية، وتوسيع نطاق التعاون التكنولوجي المشترك بين العملاقين، بما يعكس رؤية استراتيجية لتعميق الشراكة الاقتصادية والتقنية بينهما.
وأيضاً وبحسب بيان البيت الأبيض، فإن الولايات المتحدة والهند، ستُباشران تنفيذ إطار هذه الاتفاقية المؤقتة على وجه السرعة، وستعملان في الأسابيع المقبلة على وضع اللمسات الأخيرة عليها، بهدف توقيعها رسمياً.
تباين الروايات
وبحسب تقرير نشرته “بلومبرغ” واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فإن الاتفاقية التي أعلن عنها الرئيس ترامب وأكدها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، لا تزال تحتاج إلى توقيعات، كما تحتاج إلى توضيح بشأن ما اتفق عليه الزعيمان فعلياً، حيث يؤكد الرئيس الأميركي أن الهند وافقت على التوقف عن شراء النفط الروسي، وزيادة مشترياته من الولايات المتحدة، إلا أن رئيس الوزراء الهندي لم يشر إلى النفط الروسي في الإتفاق.
علاقة معقدة
وعلى مدى ثلاثة عقود، حرصت الهند على جعل الولايات المتحدة مشتريها الأول، ليس فقط في قطاعات النسيج والروبيان والمجوهرات وغيرها من الصناعات كثيفة العمالة، بل أيضاً في خدمات البرمجيات المكتبية، إلا أنها رغم ذلك فرضت بعضاً من أعلى الرسوم الجمركية على الولايات المتحدة، مقارنةً بأي اقتصاد رئيسي آخر في العالم، حيث تصل الرسوم الجمركية الهندية إلى 37 في المئة في المتوسط على السلع الزراعية الأميركية، وأكثر من 100 في المئة على بعض السيارات الأميركية.
كما أنه للهند تاريخ في فرض حواجز غير جمركية حمائية للغاية ضد المنتجات الأميركية، ما أدى إلى حظر ومنع العديد من الصادرات الأميركية إليها.
بديل الصين
ومن المرجّح أن يوفّر هذا الاتفاق التجاري التاريخي بين الهند والولايات المتحدة، دفعة قوية للصناعة الهندية، إذ إن الرضا الأميركي عن نيودلهي، من شأنه أن يمنحها زخماً إضافياً لتعزيز موقعها كبديل صناعي موثوق للصين. ويأتي ذلك في وقت تتسارع فيه وتيرة، بحث عدد متزايد من المصنّعين العالميين عن بدائل لسلاسل التوريد الصينية، في ظل ضبابية العلاقة بين واشنطن وبكين خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، رغم المحاولات المتكررة للأخير للإيحاء بأن العلاقات بين القوتين الاقتصاديتين “ممتازة”.
وترتكز مساعي الهند لتعزيز مكانتها كبديل صناعي للصين على مجموعة من العوامل البنيوية الداعمة، أبرزها قاعدة عمالية شابة وواسعة، وتكاليف أجور تنافسية، إلى جانب تمركز القدرات الصناعية في الولايات الجنوبية، التي تُعد الأكثر تطوراً من حيث البنية التحتية، والجاهزية الصناعية، والانفتاح على الاستثمارات الأجنبية.
هل يُطيح الاتفاق بالتصنيع الصيني؟
ويقول الكاتبة والأستاذة الجامعية د. هدى علاء الدين، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن الاتفاق التجاري الأميركي الهندي، يمثل تحولاً مهماً في ميزان التصنيع العالمي، ولكنه لا يعني إزاحة الصين عن عرش التصنيع، فالصين بنت نظاماً إيكولوجياً متكاملاً على مدار 40 عاماً، وبالتالي فإن إزاحتها عن هذا العرش قد تبدو صعبة في المدى القريب، مشيرةً إلى أن الاتفاق التجاري الأميركي الهندي، سيلعب دوراً كبيراً جداً في “تفتيت المركزية الصينية”، فأميركا تسعى بوضوح إلى تقليص اعتمادها المفرط على الصين، واليوم وبموجب هذا الاتفاق تكون قد أكملت مسيرة “توزيع المخاطر”، حيث ستتحول الهند من “خيار ثانٍ” بالنسبة لأميركا إلى “شريك أول”.
وتشرح علاء الدين أن الهند تمتلك عناصر قوة واضحة، تتمثل في سوق داخلية ضخمة، جيشاً من العمالة الشابة، تكاليف أجور تنافسية، وتحسناً ملموساً في مناخ الأعمال، خصوصاً في الولايات الجنوبية مثل تاميل نادو، كارناتاكا، وتيلانغانا، ولكن في المقابل لا تزال هناك تحديات هيكلية كبيرة، فالهند تعاني من فجوات واضحة في شبكات الطرق والموانئ وإمدادات الكهرباء، ما يرفع من كلفة الإنتاج الصناعي ويحدّ من كفاءة سلاسل التوريد، كما أن البيئة التنظيمية في الهند لا تزال مليئة بالعوائق والبيروقراطية، مما يجعل عملية تشغيل الشركات الجديدة أمراً معقداً، فضلاً عن النقص النسبي في العمالة الماهرة، القادرة على تلبية متطلبات الصناعات المتقدمة.
وبحسب علاء الدين فإن الصناعة الهندية تواجه عيباً بنيوياً لا يمكن القفز فوقه، يتمثّل في استمرار اعتمادها على الصين، في استيراد مكونات صناعية محورية، مثل أشباه الموصلات الدقيقة الضرورية لعدد واسع من الصناعات، والمغناطيسات عالية الأداء، المستخدمة في بطاريات المركبات الكهربائية، وهذا الاعتماد يُبقي القاعدة الصناعية الهندية في موقع ضعيف، ويحدّ من قدرتها على بناء سلاسل توريد مستقلة ومتكاملة، مشددةً على أن الاتفاق التجاري الهندي الأميركي، لا يطيح بالصين من موقعها الصناعي المتقدّم في المدى المنظور، لكنه يضع بكين للمرة الأولى أمام منافس صناعي قوي، يحظى بدعم سياسي واقتصادي مباشر من الولايات المتحدة، ومع مرور الوقت وفي حال واصلت الهند تنفيذ إصلاحات عميقة في بنيتها التحتية والبيئة التشريعية، فإنها قد تتحوّل إلى التحدي الأكثر جدّية لهيمنة الصين على خريطة التصنيع العالمي.
الهند بين موسكو وواشنطن
من جهته يقول المحلل الاقتصادي محمد سعد، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إنه بالنسبة للهند فإن التقارب مع واشنطن، يضعها في أصعب اختبار لسياسة “الحياد الاستراتيجي” التي انتهجتها لعقود في علاقتها مع روسيا، فالهند حافظت لسنوات على شراكة تاريخية قوية مع روسيا، خصوصاً في قطاعات الدفاع والطاقة النووية والفضاء، ولكن الاتفاق مع الولايات المتحدة، الزم نيودلهي بوقف شراء النفط الروسي “الرخيص”، وهي “تضحية مؤلمة” ولكنها محسوبة اقتصادياً.
وبحسب سعد، فإن روسيا كانت لفترة طويلة توفر للهند طاقة رخيصة، ودعماً تقنياً محدوداً في بعض القطاعات الاستراتيجية، لكن واشنطن تقدم اليوم للهند حزمة شاملة، تشمل أكبر سوق استهلاكي في العالم وإمكانات تكنولوجية متقدمة لا تستطيع موسكو توفيرها، وهذا التحوّل سيؤدي حتماً إلى برود تدريجي في العلاقات الاقتصادية الهندية مع الكرملين، وقد نشهد تحولاً ملموساً في مشتريات الدفاع الهندية من الاعتماد على الأسلحة الروسية التقليدية إلى تبني التكنولوجيا الأميركية الحديثة، مما يعني أن الهند قد تدخل مرحلة جديدة من التنويع الاستراتيجي لعلاقاتها الدولية، لتصبح من خلالها شريكاً رئيسياً للولايات المتحدة في مجالات الطاقة والصناعة والتقنيات المتقدمة، مع الحفاظ على مصالحها الوطنية بشكل مدروس.
أشباه موصلات “مقيدة”
أما بالنسبة لتقنيات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، فيوضح سعد أن الاتفاق التجاري الأميركي الهندي، يفتح الباب أمام نقل محدود ومدروس للتكنولوجيا المتقدمة، فالهند قد تحصل على حق الوصول إلى تكنولوجيات متطورة نسبياً في مجالات البرمجيات والتطبيقات الصناعية، ومع ذلك فإن التقنيات الأكثر حساسية، مثل الرقائق فائقة الدقة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والقدرات العسكرية المتقدمة، والتقنيات الصناعية الدقيقة، ستظل تحت قيود صارمة، مشيراً إلى أن واشنطن ستمنح الهند ما يكفي لتصبح منافساً قوياً للصين في مجالات محددة، لكنها ستحتفظ بالتحكم الكامل في أبرز التكنولوجيات الحيوية الاستراتيجية داخل حدودها، بما يعكس نهج سياسة “أميركا أولاً” التي تبنّاها الرئيس دونالد ترامب، حيث أن أي اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة يخضع دائماً للمصالح الوطنية العليا والحدود الاستراتيجية للأمن التكنولوجي الأميركي.
أخبار شائعة
- "راماغيدون" يقترب: لماذا أصبحت الذاكرة "عنق الزجاجة" الجديد؟
- الخارجية الإيرانية: رفع العقوبات لا ينفصل عن مصالحنا
- جسر عسكري فوق نهر الفرات في دير الزور.. مصادر تكشف الهدف
- الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف عنصر في جنوب لبنان
- انحراف قطار عن سكته في سويسرا.. أنباء عن سقوط ضحايا
- فولكسفاغن تستهدف خفض تكاليفها بـ 20% بنهاية 2028
- جاسوس إسرائيلي لصالح إيران.. تفاصيل اكتشاف "العميل"
- من ميونيخ… الإمارات تحتفي بشراكاتها لدعم أمن الطاقة





