خاصمن يدفع ثمن المليارات المفقودة بعد بطلان رسوم ترامب؟  تواجه الخزانة الأميركية مأزقاً مالياً وتاريخياً غير مسبوق بعد صدور حكم المحكمة العليا ببطلان الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضتها إدارة ترامب. هذا الحكم لم يكتفِ بتفكيك الركن الأساسي في الأجندة الاقتصادية للبيت الأبيض، بل فتح الباب أمام مطالبات قانونية برد نحو 175 مليار دولار حُصلت “بدون تفويض”.وفي رد فعل فوري، سارع الرئيس ترامب للتوقيع على أمر تنفيذي جديد بفرض تعرفة بنسبة 10بالمئة لمدة 150 يوماً، في خطوة تؤكد أن الصراع بين السلطة التنفيذية والقضائية قد انتقل من “ساحة الطوارئ” إلى “ساحة المناورة القانونية”.
وبينما تشير تقديرات اقتصادية مستقلة إلى أن الحكومة باتت “مدينة” فعلياً لهذه الشركات، يسود الغموض حول آلية استرداد هذه الأموال في وقت تعاني فيه الميزانية الفيدرالية من ضغوط متزايدة.
إن هذا التحول المفاجئ يثير تساؤلات ملحة حول القدرة على احتواء هذه الصدمة الاقتصادية، ولعل أبرزها، هل تغرق الخزانة الأميركية في ديون تعويضات الرسوم الجمركية؟ ومن يدفع ثمن المليارات المفقودة بعد بطلان رسوم ترامب؟ وكيف سيواجه ترامب القيود الجديدة على سياساته التجارية العالمية؟ 
وأكد خبراء اقتصاد في تصريحات خاصة لـ “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أن قرار المحكمة يمثل إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين السلطات، حيث يرى الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي أن الحكم يضع الخزانة الأميركية أمام استحقاق “إجباري” لسداد التعويضات، معتبراً أن لجوء ترامب لرسوم الـ 10 بالمئة الجديدة هو مناورة مالية لتوفير سيولة عاجلة تسد فجوة الالتزامات الطارئة.
فيما أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمد جميل الشبشيري أن مبلغ الـ 175 مليار دولار، رغم ضخامته، يظل محدوداً عند مقارنته بحجم الاقتصاد الأميركي الكلي، لكن خطورته تكمن في تحول هذه المبالغ من “ضريبة على الخارج” إلى “تحويل مالي داخلي” لصالح الشركات المستوردة، مما يجعل دافع الضرائب هو الضامن الأخير لهذه الفاتورة.
تفكيك أجندة الرسوم
وتفصيلاً ..أبطلت المحكمة العليا الجمعة جزءاً كبيراً من أجندة الرسوم الجمركية الواسعة للرئيس دونالد ترامب، مما يمثل ضربة قوية لأحد الركائز الأساسية لسياساته الاقتصادية.
وقضت المحكمة بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 بأن القانون الذي استندت إليه هذه الرسوم “لا يخول الرئيس فرض رسوم جمركية”، وفقاً لتقرير نشرته شبكة “سي إن بي سي”  واطلعت عليه “سكاي نيوز عربية”،
 وأوضح التقرير أن القضاة وصفوا موقف ترامب القانوني بأنه يمثل “توسعاً تحولياً” في سلطة الرئيس على السياسة الجمركية، مؤكدين أن الدستور يمنح سلطة الضرائب للكونغرس حصراً. وأشارت المحكمة في قرارها إلى أنه لم يسبق لأي رئيس أن استخدم قانون الطوارئ لفرض رسوم بهذا الحجم، مؤكدة أن ترامب فشل في تقديم “تفويض واضح” من المشرعين لتبرير صلاحياته الاستثنائية.
 تحليل “فجوة المليارات”  
وفي سياق التبعات المالية، أشار التقرير إلى أن هذا الحكم يفتح الباب أمام مطالبات تعويض ضخمة استناداً إلى  “نموذج بن وارتون للميزانية”  ويُعد هذا النموذج مبادرة بحثية مالية غير حزبية تابعة لجامعة بنسلفانيا، متخصصة في قياس الأثر الاقتصادي للسياسات العامة بدقة عالية.
وقد خلص النموذج – إلى أن الخزانة الأميركية قد تضطر لرد نحو 175 مليار دولار للمستوردين. وفي حين قدرت مصلحة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في وقت سابق مبالغ تصل إلى 133.5 مليار دولار باعتبارها “أموالاً معرضة لخطر الاسترداد”، أوضح التقرير أن نحو 129 مليار دولار منها ناتجة مباشرة عن رسوم قانون الطوارئ الملغي، مما يحول هذه المبالغ من مورد مالي للخزانة إلى “دين ثقيل” يهدد توازن الميزانية الفيدرالية.
 ومن الناحية الإجرائية، نقل التقرير تحذيرات القاضي بريت كافانو من أن عملية الرد ستكون “فوضوية”، نظراً للصعوبة التقنية في تحديد المستحقين  الفعليين، خاصة وأن الشركات قد نقلت العبء المالي للمستهلكين عبر رفع الأسعار، مما يجعل ملف التعويضات مأزقاً محاسبياً قد يمتد لسنوات.
البدائل المقيدة وسباق الزمن في واشنطن
من جانب آخر، استعرض تقرير نشرته وكالة “بلومبرغ” واطلعت عليه “سكاي نيوز عربية”، الخيارات القانونية البديلة المتبقية أمام الإدارة الأميركية، حيث أوضح التقرير أن ترامب قد يلجأ لـ “المادة 232” المتعلقة بالأمن القومي، أو “المادتين 201 و301” لحماية الصناعة المحلية.
 إلا أن  التقرير اشار إلى أن هذه البدائل تفتقر لسرعة التنفيذ، فهي تتطلب تحقيقات فنية من وزارة التجارة قد تمتد لـ 270 يوماً وجلسات استماع عامة، مما يعني أن أي سياسة جمركية جديدة ستصطدم بـ “بيروقراطية قانونية” تحرم البيت الأبيض من ميزة الفرض الفوري والشامل للرسوم.
وعلى الفور، بعدما أبطلت المحكمة العليا الرسوم الدولية الشاملة التي فرضها وتشكل حجر زاوية في أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعلن ترامب أنه وقّع أمرا تنفيذيا بفرض تعرفة جمركية جديدة بنسبة 10 بالمئة على كل الدول.
وقال الرئيس الأميركي عبر منصته تروث سوشيال: “إنه شرف عظيم لي أن أوقّع، من المكتب البيضوي، تعرفة دولية بنسبة 10 بالمئة تنطبق على كل البلدان وستدخل حيز التنفيذ بشكل شبه فوري”.
ووفق البيت الأبيض فإن إعلان ترامب بفرض رسوم استيراد بنسبة 10 بالمئة، هو لمدة 150 يوما.
مارك كارني .. الرجل الوحيد الذي وقف في وجه ترامبتداعيات على الخزانة وحدود السلطة التنفيذية
في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” قال  الخبير الاقتصادي الدكتور محمد جميل الشبشيري: “إن قرار المحكمة العليا للولايات المتحد بإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب  استنادًا إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية يتجاوز كونه مجرد حكم فني في نزاع تجاري. إنه يمثل إعادة تعريف للعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويثير تساؤلات مالية جوهرية بشأن مصير عشرات المليارات من الدولارات التي جُمعت في الخزانة تحت مسمى (الرسوم الطارئة)”.
هل تواجه الخزانة صدمة مالية؟
ورداً على هذا التساؤل ذكر الدكتور الشبشيري أن تقديرات استرداد الرسوم تصل إلى 175 مليار دولار أميركي، ورغم أن هذا الرقم يبدو ضخماً، إلا أنه يصبح أقل دراماتيكية عند وضعه في السياق الاقتصادي الكلي فهو:

يعادل نحو 0.6 بالمئة إلى 0.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لاقتصاد يتجاوز 27 تريليون دولار.
يمثل قرابة ربع العجز السنوي الذي يتراوح بين 1.5 و1.8 تريليون دولار.
إذا تم تمويله عبر الاقتراض، فقد يضيف 7 إلى 9 مليارات دولار سنوياً كفوائد (بتكلفة اقتراض تتراوح بين 4 بالمئة و5 بالمئة).

وأوضح أن الخزانة الأميركية لن تغرق، لكن عملية السداد  – إن تمت – ستشكل ضغطًا على العجز وتزيد الحاجة إلى إصدار سندات في بيئة تتسم بارتفاع نسبي في أسعار الفائدة، مشيراً إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في مبلغ الـ 175 مليار دولار بحد ذاته، بل في توقيت هذا السداد وسط انقسام سياسي حول سقف الدين وتباطؤ اقتصادي محتمل.
  من دفع الرسوم… ومن سيستردها؟
ونوه الخبير الاقتصادي الشبشيري بأن الرسوم الجمركية تُحصّل من المستورد الأميركي عند دخول البضائع، وليس من الدولة الأجنبية المصدرة. عملياً، تتحول هذه الكلفة إلى:

المستهلكين عبر أسعار أعلى للمنتجات.
الشركات عبر هوامش أرباح أقل.
الموردين عبر إعادة التفاوض على الأسعار.

وبيّن الدكتور الشبشيري أنه إذا أُقرت التعويضات، فإن:

المستفيد المباشر سيكون الشركات المستوردة.
الشركات الكبرى، التي تتمتع بقدرة أكبر على توثيق مدفوعاتها، ستكون الأسرع في استرداد هذه الرسوم.
الشركات الصغيرة قد تواجه تعقيدات إجرائية في عملية الاسترداد.

أما التمويل اللازم لهذه التعويضات، فمصدره الخزانة – أي الضرائب الحالية أو الاقتراض الذي يعني ضرائب مستقبلية، والنتيجة النهائية هي أن دافع الضرائب هو الضامن الأخير لهذه المبالغ، بحسب تعبيره.
ومع ذلك أشار إلى أن المفارقة تكمن في أن الرسوم التي وُصفت بأنها (ضريبة على الخارج) قد تنتهي كتحويل مالي داخلي من الخزانة إلى الشركات، دون ضمان أن ينعكس ذلك بالكامل في صورة أسعار أقل للمستهلك.
  هل غيّرت الرسوم شيئاً جوهرياً؟
ويشرح الدكتور الشبشيري أنه على الرغم من فرض رسوم واسعة النطاق، ظل العجز التجاري في عام 2025 عند مستويات مرتفعة قاربت 901 مليار دولار.وهذا يشير إلى أن السياسة حققت إيرادات معتبرة – تتراوح بين 200 و289 مليار دولار وفق تقديرات مختلفة – لكنها لم تُحدث تحولاً هيكلياً عميقاً في نمط الاستيراد.
وعلى صعيد التضخم، يُرجّح أن تكون الرسوم قد أضافت 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية إلى الضغوط السعرية في بعض الفترات. وإبطالها قد يخفف الضغط تدريجياً خلال فترة تتراوح بين 6 و12 شهراً، لكن الأثر النهائي يعتمد بشكل كبير على سلوك الشركات، وليس على الحكم القضائي وحده.
ويرى  الشبشيري أن المحكمة لم تُبطل أداة اقتصادية فحسب، بل أعادت ترسيخ مبدأ دستوري أساسي: أن سلطة فرض الضرائب والرسوم هي بيد الكونغرس. قبل هذه السابقة، لم يُستخدم قانون الطوارئ الاقتصادية لفرض تعريفات شاملة بهذا الاتساع. بالنسبة للرئيس ترامب، يفقد البيت الأبيض أداة تفاوضية سريعة كانت تسمح بفرض الرسوم وتعليقها وتعديلها بقرار تنفيذي. المرحلة المقبلة ستفرض أحد مسارين:

الضغط على الكونغرس للحصول على تفويض صريح يوسّع الصلاحيات التجارية للرئيس.
اللجوء إلى أدوات قانونية أبطأ وأكثر تعقيداً (مثل تحقيقات مكافحة الإغراق، بنود الأمن القومي، وإجراءات وزارة التجارة). وفي كل الأحوال، ستصبح السياسة التجارية أقل اندفاعاً وأكثر خضوعاً للرقابة التشريعية.

وختم الدكتور الشبشيري حديثه بقوله: “لا يفتح هذا القرار باب أزمة مالية فورية، لكنه يضع الخزانة أمام احتمال سداد قد يصل إلى 175 مليار دولار، ويؤكد أن تكلفة التجارب السياسية في التجارة لا تختفي، بل يُعاد توزيعها. الأهم من الرقم هو المبدأ الذي رسخه الحكم: لا توسّع في سلطة فرض الرسوم دون تفويض تشريعي واضح. وقد يتلاشى أثر الحكم في الأسواق مع مرور الوقت، لكن أثره المؤسسي سيبقى راسخاً. فالقضية لم تكن فقط عن رسوم جمركية، بل عن سؤال أعمق: من يملك مفاتيح السياسة التجارية في الولايات المتحدة؟ المحكمة قالت كلمتها – والكرة الآن في ملعب الكونغرس والبيت الأبيض”.
الرسوم الجديدة “طوق نجاة” لسداد تعويضات الخزانة
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أن حكم المحكمة العليا يمثل “خطوة لتصحيح الأوضاع الاقتصادية”، مشيداً بقدرة القضاء على كبح جماح القرارات التي تفرض أعباءً جمركية غير مدروسة. ورداً على تساؤل حول احتمالية غرق الخزانة في الديون، أكد الشافعي أن الخزانة الأميركية هي “المسؤول الأول والمباشر” عن سداد كافة التعويضات والديون الناشئة عن تلك الرسوم عبر نظام “المقاصة” الجمركية.
وفي تحليله لمن يدفع الثمن الفعلي، أشار الشافعي إلى أن هذه المليارات لم تكن “مفقودة” بالمعنى التقليدي، بل كانت عبئاً يتحمله المواطن الأميركي بصفته المستهلك النهائي للسلع المستوردة. وحول القرار المفاجئ بفرض رسوم الـ 10 بالمئة، أوضح الخبير الاقتصادي أن هذا الإجراء يمثل “الحل الأنسب” الذي لجأ إليه ترامب وفريقه المالي لتوفير سيولة عاجلة وقدرات مالية تمكن الخزانة من سداد الالتزامات والتعويضات الناتجة عن قرار المحكمة العليا.
وعن كيفية مواجهة ترامب للقيود الدولية، لفت الشافعي إلى أن سياسة ترامب تتسم بـ “تجاوز الحدود المألوفة” في التعامل مع الاقتصاد العالمي، معتمداً على خضوع الكثير من الدول لقراراته، رغم وجود ممانعة من بعض الأطراف.
ومع ذلك، أعرب الشافعي عن اعتقاده بأن المواطن الأميركي ما زال غير راضٍ عن هذا الأداء الاقتصادي بسبب ما وصفه بـ “ازدواجية المعايير والإجراءات”، مؤكداً أن دفع الاقتصاد الأميركي نحو القوة الحقيقية يجب أن ينبع من فاعلية الداخل وليس عبر الاعتماد المفرط على دعم أو رسوم مفروضة على الدول الخارجية.
أم الصفقات.. اتفاق أوروبي–هندي في وجه رسوم ترامب


شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version