وفي ظل إدانات متبادلة بين الأطراف المعنية، تتباين الروايات بشأن نقل معدات حيوية من حقول الرميلان وغيرها إلى إقليم كردستان العراق، بينما تنفي “قسد” كل الادعاءات وتصفها بمحاولات لتشويه صورتها وإثارة الفتنة.
الكاتب والباحث السياسي مؤيد غزلان قبلاوي، في حديثه إلى برنامج “غرفة الأخبار” على “سكاي نيوز عربية”، يقدم قراءة تحليلية متعمقة لهذه التوترات، موضحا حقيقة الوضع الميداني ومحددات النزاع بين السلطات المركزية والقوات الكردية.
ويؤكد قبلاوي أن “ما يُتداول بشأن نقل معدات من الحقول النفطية يقع في نطاق الادعاءات، ولا يرقى إلى أن يكون منهجا متبعا أو مرتكزا لخلافات جوهرية بين الدولة السورية وقسد”.
ويضع الباحث السياسي هذه المسألة ضمن سياق أوسع عنوانه تنفيذ الإدماج المدني الإداري والإدماج العسكري، معتبرا أن تضخيمها لا ينسجم مع طبيعة المرحلة.
كما يشدد على أن هذه النقطة تحديدا لن تكون نقطة ارتكاز لخلاف جوهري، في ظل مسار تفاوضي تنفيذي واضح المعالم، تحكمه بنود اتفاق 29 يناير.
حقول النفط.. تجهيزات متهالكة وإنتاج متراجع
في تفصيل تقني لواقع الحقول، يلفت قبلاوي إلى أن تجهيزات الحقول النفطية التي عادت إلى الشرعية والسيادة السورية تحتاج إلى تجديد متكامل، ويستشهد بتقارير أجرتها الشركة السورية للنفط حول حقل العمر، تشير إلى أن أكثر من 90 بالمئة من تجهيزاته تحتاج إلى ترميم.
ويضيف أن وضع حقل الرميلان ليس بأحسن حال، إذ لا ينتج أكثر من 10 بالمئة من قدرته الإنتاجية اليومية، مما يستدعي، وفق تقديره، التعاقد مع شركات أجنبية للقيام بعمليات الترميم الأسرع والأنجع ومضاعفة الإنتاج 3 أو 4 مرات.
ويذكر بأن حقل العمر كان ينتج قرابة 166 ألف برميل يوميا عام 2010، بينما لا يتجاوز إنتاجه حاليا بين 10 و15 ألف برميل، وقد يصل إلى 20 ألفا في أحسن الأحوال، في مؤشر على إنتاجية ضعيفة وتجهيزات متهالكة.
وبشأن نقل المعدات، يعتبر قبلاوي أن ما جرى هو “محاولة استئثارية ونفعية من بعض أطياف حزب العمال الكردستاني، هدفها الاستئثار الشخصي بالتجهيزات، وليس توجها استراتيجيا تتبناه قسد”.
ويشير إلى أن هذه المعدات تنتمي إلى الحكومة السورية وفق البند الرابع من اتفاق 29 يناير، الذي ينص على عودة الحقول والموارد النفطية إلى سيادة الدولة.
ويرى أنه “كان يتعين على إقليم كردستان العراق عدم السماح بدخول هذه التجهيزات لأنها غير شرعية، ولا تحمل فواتير صادرة عن الدولة السورية”.
ويخلص إلى أن ما جرى يندرج ضمن محاولات شخصية لا تعكس سياسة واضحة لـ”قسد”، لا سيما أنها خسرت وسلمت معظم الموارد بعد الإجراءات العسكرية الاستثنائية للدولة السورية.
زخم ميونخ والعودة إلى اللامركزية
يضع قبلاوي النقاط الأكثر مركزية في الخلاف عند مسألة الإدماج العسكري وتسليم الإدارات المدنية، لا عند ملف المعدات، ويشير إلى زخم سياسي جديد اكتسبته قسد بعد مؤتمر ميونخ، ترافق مع عودة الحديث عن اللامركزية من قبل الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلهام أحمد، وقائد “قسد” مظلوم عبدي.
ويعتبر أن هذا الزخم انعكس بنبرة مختلفة في الخطاب السياسي، رغم أن الاستقواء الدولي لم يفد قسد خلال الإجراءات العسكرية وبداية التفاوض.
ويؤكد أن ما يجري الآن هو محاولة لإدراج نقاط غير موجودة وغير مدرجة في اتفاق 29 يناير، على غرار ما حدث في ظروف اتفاق العاشر من مارس 2025.
الإدماج العسكري.. فردي أم كتلي؟
في قراءة دقيقة لبنود الاتفاق، يوضح قبلاوي أن النقطة الثالثة تنص على تسليم الإدارات المدنية، بينما تتحدث النقطة الخامسة عن الإدماج العسكري بصيغة فردية، إلا أن قسد، بحسب قوله، تعارض الإدماج الفردي وتطالب بإدماج يشبه الكتل، وهو ما يعده تعارضا مع نص الاتفاق الذي وافقت عليه.
ويذكر بأن توقف العمليات القتالية جاء نتيجة الالتزام بهذه البنود، وأن أي تعديل في آلية الإدماج خارج النص يشكل خروجا عن روحه وشكله.
وفيما يتعلق بالحقوق الكردية، يشدد قبلاوي على أن الخصوصية الثقافية واللغوية والانتمائية أدرجت في المرسوم الثالث عشر، الذي وصفه بأنه تاريخي بكل المعايير، كما أشار إلى تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع قبل صدور المرسوم حول مضامين دستورية تجسد حقوق الكرد السوريين.
ويرى أن الخصوصية محترمة وممنوحة، لكن الإشكال يكمن في الانتقال من مطلب الخصوصية إلى المحاصصة الوظيفية والمنصبية. ويؤكد أن اتفاق 29 يناير لا يتحدث عن منصب نائب وزير دفاع، بل ينص على أن تقدم قسد شخصيات لإدراجها ضمن مناصب معينة، بالتوازي مع وجوب تسليم الإدارات الذاتية.
ويؤكد قبلاوي أن الحكم اللامركزي غير مدرج تماما في الاتفاق، وإنما الحديث يدور حول لا مركزية إدارية بدأت وزارة الإدارة المحلية بتفعيلها عبر منح صلاحيات للمحافظين.
ويشير إلى أن الحديث عن الإدارة الذاتية يجب أن يراعي التوازن الديمغرافي في محافظة الحسكة، حيث تضم نحو 1700 قرية، منها 1171 قرية عربية، ما يعني، وفق تقديره، أن العرب يشكلون قرابة 68 بالمئة من الكتلة البشرية، ومن ثم، فإن تجسيد أي إدارة محلية يجب أن يحفظ خصوصية الكرد كما يحفظ خصوصية العرب.





