خاصالعلم الأوكراني على واجهة مبنى المتحف الوطني الجديد في براغعلى مدار أربع سنوات من الحرب، وجد الاقتصاد الأوكراني نفسه في قلب معادلة قاسية تجمع بين الاستنزاف العسكري والضغط الديموغرافي والانكماش الإنتاجي من جهة، والتدفقات المالية والعسكرية الغربية من جهة أخرى، والتي ساعدته على المواجهة.منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، تعرضت البنية التحتية الحيوية للتدمير، وتقلصت القاعدة الصناعية، وارتفعت معدلات الهجرة ونقص العمالة، فيما تحولت الموازنة العامة إلى اقتصاد حرب يعتمد بصورة شبه كاملة على التمويل الخارجي لسد العجز وضمان استمرارية الدولة.
ومع ذلك، لم يكن المشهد انحدارياً بالكامل؛ إذ أسهم الدعم الأوروبي والأميركي -مالياً وتسليحاً – في تثبيت الاستقرار النقدي، واحتواء التضخم، والحفاظ على الحد الأدنى من النمو في بعض الفترات، إضافة إلى تمكين كييف من إعادة توجيه اقتصادها نحو الصناعات الدفاعية وتعزيز الإنتاج المحلي للسلاح.
وبين ضغوط الدين المتصاعد ومتطلبات الإنفاق الدفاعي القياسية، بات الاقتصاد الأوكراني نموذجاً لاقتصاد صامد تحت الحرب، يتأرجح بين الاعتماد الخارجي ومحاولات بناء قدرة ذاتية طويلة الأمد.
نسبة النمو
في هذاالسياق، يشير تقرير لفايننشال تايمز إلى أن:
الحرب لم تتسبب في انهيار اقتصادي صريح، أو في حدوث أزمة مصرفية من النوع الذي أعقب ضم موسكو لشبه جزيرة القرم في العام 2014.
وبعد انخفاض الإنتاج الناجم عن الحرب في عام 2022، ازداد الناتج المحلي الإجمالي كل عام.
يتوقع البنك المركزي الأوكراني أن ينتعش النمو في عامي 2027 و2028 بعد أن ظل مستقراً عند 1.8 بالمئة هذا العام.
ينقل التقرير عن كبير الاقتصاديين لشؤون أوكرانيا في البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، ديميتار بوغوف، قوله: “قد لا يكون النمو استثنائياً، ولكنه قوي في ظل ظروف صعبة للغاية”.
ووفق التقرير، فإن سرعة الابتكار التكنولوجي المستمر في أوكرانيا – وخاصة في برامج الطائرات بدون طيار المتطورة – قد أربكت شركاء البلاد، وكذلك أعدائها.
الحرب في أوكرانيا تدخل عامها الخامس دون تسوية سياسيةومع ذلك، ومع ذكرى الحرب الرابعة، لا يمكن لقصة نمو البلاد أن تخفي الضرر الاقتصادي الهائل الذي لحق بدولة لا تزال تعتمد بشكل كبير على الإنفاق الحكومي، حيث تقود القطاعات المرتبطة بالحرب جزءاً كبيراً من التوسع.
لا يزال الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي أقل بنسبة 21 بالمئة من مستويات عام 2021، وأقل بنسبة تزيد عن 40 بالمئة من مستوياته في بداية التسعينيات.
سجلت البلاد عجزاً كبيراً في الحساب الجاري بلغ ما يقارب 15% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي، ومن المتوقع أن يصل التضخم إلى 7.5 بالمئة في عام 2026.
لا يزال الدعم المالي الغربي بالغ الأهمية لاستمرار عمل القطاع العام. وقد اتفق قادة الاتحاد الأوروبي في ديسمبر على اتفاقية لإقراض أوكرانيا 90 مليار يورو، مما يوفر للبلاد شريان حياة لتمويلها خلال العامين المقبلين.
لكن المجر فاجأت الجميع يوم الجمعة باعتراضها على استخدام ميزانية الاتحاد الأوروبي لجمع الأموال. وقد يتأثر قرض جديد بقيمة 8.1 مليار دولار كان من المتوقع أن يوافق عليه صندوق النقد الدولي الأسبوع المقبل، برفض المجر، لارتباطه بسد عجز وشيك في ميزانية أوكرانيا بحلول أبريل.
ويقول الخبير الاقتصادي في مركز الاستراتيجية الاقتصادية، وهو مركز أبحاث مقره كييف، ماكسيم سامويليوك: “بدون هذا الدعم (الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي)، من المرجح أن ينهار اقتصاد أوكرانيا، أو على الأقل لن يُظهر مثل هذه المرونة والتعافي”.
قطاع التكنولوجيا
اجتاحت الحرب أجزاءً كبيرة من شرق البلاد وجنوبها، حيث تقع بعض أخصب أراضي أوكرانيا ومراكز صناعاتها الثقيلة. وتراجعت صادرات القطاعات الحيوية، ولا سيما الزراعة والمعادن، في مواجهة العملية الروسية، بينما فرّ الملايين من البلاد.
يؤكد المحللون أن بعض التغيرات التي أحدثتها ظروف الحرب قد تتحول إلى نقاط قوة اقتصادية إذا ما توفرت الظروف المناسبة. فعلى سبيل المثال، سعى نظام بيئي واسع النطاق من الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا العسكرية إلى منح كييف ميزة في ساحة المعركة قد تعوض تفوق روسيا في القوى البشرية.
عملت عشرات الشركات على تطوير روبوتات أرضية لإعادة تزويد وحدات الخطوط الأمامية بالإمدادات، وحلول معقدة للحرب الإلكترونية لإسقاط الطائرات الروسية بدون طيار، ووحدات الذكاء الاصطناعي التي تسمح للمركبات الجوية غير المأهولة بالتحليق وحتى ضرب الأهداف بشكل مستقل.
آثار قاتمة
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
الحرب الروسية الأوكرانية تركت آثاراً قاسية على الاقتصاد الأوكراني، خصوصاً خلال السنة الأولى التي شهدت صدمة اقتصادية كبيرة وانكماشاً حاداً في النشاط الاقتصادي.
إلا أن الاقتصاد الأوكراني أظهر لاحقاً قدرة ملحوظة على التعافي والصمود نتيجة مجموعة من العوامل الأساسية.
العامل الأهم في صمود الاقتصاد الأوكراني كان الدعم الغربي الواسع، بعد أن تلقت كييف تمويلاً مباشراً للموازنة في صورة قروض ميسرة ومنح، إلى جانب مساعدات عسكرية وإنسانية.
لعب كل من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والولايات المتحدة دوراً محورياً في توفير هذا الدعم، ما ساعد الحكومة الأوكرانية على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والمالي.
ويضيف أن أوكرانيا تمكنت من تثبيت سعر صرف عملتها بفضل الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي، بما في ذلك فرض قيود على حركة رؤوس الأموال، الأمر الذي أسهم في الحد من تداعيات الصدمة الاقتصادية الأولى ومنع تدهور الاستقرار النقدي.
ويشير يرق إلى أن الاقتصاد الأوكراني شهد لاحقاً تعافياً تدريجياً في الإنتاج الصناعي، خاصة في المناطق الآمنة، نظراً لكون أوكرانيا دولة ذات قاعدة صناعية مهمة. كما نجحت في استعادة جزء من صادراتها الزراعية والحبوب عبر إيجاد منافذ تصدير بديلة عبر العمق الأوروبي، بعد فقدان بعض الموانئ الجنوبية نتيجة الحرب.
كما يلفت إلى أن قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية حافظ على نشاطه إلى حد كبير، حيث واصلت الشركات العمل عبر نماذج العمل عن بُعد، مستفيدة من الكفاءات التقنية الأوكرانية، ما وفر دعماً إضافياً للاقتصاد خلال فترة الحرب.
ويشدد يرق على أن:
الدعم الغربي كان العامل الحاسم في منع انهيار الاقتصاد الأوكراني.
لولا هذا الدعم لكانت أوكرانيا في وضع اقتصادي أكثر صعوبة بكثير، خاصة أن أوروبا تنظر إلى أوكرانيا باعتبارها خط دفاع متقدم في مواجهة روسيا.
التحديات لا تزال كبيرة، إذ تواجه أوكرانيا دماراً واسعاً يتطلب برامج إعادة إعمار ضخمة، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بمدة الحرب.
ثمة محادثات جارية برعاية روسيا والولايات المتحدة للتوصل إلى تسوية محتملة، لكن أي اتفاق محتمل قد يواجه تعقيدات كبيرة، خاصة في ظل سيطرة روسيا على أجزاء من جنوب أوكرانيا الغنية بالموارد.
اختناقات هيكلية
وبينما لا تزال أوكرانيا تحت ضغط عسكري واقتصادي وديموغرافي شديد، فإنها تواصل إظهار قدر ملحوظ من الصمود والتماسك المجتمعي والفاعلية المؤسسية. ورغم الارتفاع الحاد في أعداد الضحايا المدنيين خلال عام 2025، أفاد نحو ثلثي الأوكرانيين باستعدادهم لمواصلة الحرب طالما اقتضت الضرورة، بحسب تقرير بحثي لـ SCEEUS.
اقتصادياً، يشير التقرير إلى تحقيق اقتصاد كييف نمواً متواضعاً في الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025. ولا يزال التضخم ضمن مستويات يمكن احتواؤها نسبياً، فيما تكيّفت الشركات مع قيود زمن الحرب.
ومع ذلك، تواصل الاختناقات الهيكلية – ولا سيما نقص العمالة، وتضرر البنية التحتية، وتنامي الدين الوطني – تقييد وتيرة النمو. وتعتمد موازنة أوكرانيا بشكل كبير على التمويل الخارجي، فيما يغطي الدعم الأوروبي تقريباً كامل العجز.
على جبهة القتال، تواجه أوكرانيا حرب استنزاف ذات طابع موقعي تتطلب أعداداً كبيرة من القوات، مع حاجة ملحّة إلى أنظمة دفاع جوي وقدرات ضرب بعيدة المدى وذخائر. ولا يزال الدعم الغربي الواسع أمراً أساسياً لتلبية الاحتياجات الأمنية الحرجة.
وينبه إلى أن قدرة أوكرانيا على الصمود والتكيّف ومواصلة مسار الإصلاح تشكل مبرراً قوياً لتعزيز الدعم العسكري والمالي الغربي. ويؤكد إقرار موازنة دفاع قياسية لعام 2026 حجم التحديات، وكذلك التوسع السريع في إنتاج الأسلحة محلياً.
خسائر بشرية واقتصادية هائلة تكبدتها أوكرانيا خلال 4 سنواتصمود اقتصادي
من جانبه، يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
الاقتصاد الأوكراني، وبعد مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب في فبراير 2022، استطاع أن يعيد صياغة قواعد الصمود الاقتصادي في ظروف استثنائية، بعدما كانت التوقعات الأولية تشير إلى احتمال حدوث انهيار شامل، خاصة في ظل انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو الثلث خلال السنة الأولى من الحرب وفقدان أجزاء واسعة من الأراضي.
الاقتصاد تمكن لاحقاً من امتصاص الصدمة تدريجياً، ليسجل نمواً تجاوز 5 بالمئة خلال عام 2023، ثم واصل تحقيق معدلات إيجابية مستقرة خلال العامين التاليين، وهو ما يعكس قدرة ملحوظة على التعافي رغم استمرار العمليات العسكرية.
ويضيف أن هذه الصلابة تستند بالدرجة الأولى إلى الدعم المالي الخارجي الضخم، الذي مثّل بمثابة جهاز تنفس صناعي للاقتصاد، حيث تدفقت عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، إلى جانب استخدام عائدات الأصول الروسية المجمدة لدعم الموازنة، الأمر الذي سمح بتغطية العجز المالي بشكل شبه كامل.
ويؤكد أن هذه التدفقات مكنت الحكومة من دفع الرواتب والمعاشات والحفاظ على الخدمات الأساسية دون تعثر، في حين جرى توجيه الإيرادات المحلية والضرائب بشكل شبه كامل إلى تمويل المجهود الحربي والدفاع، كما أسهم تجميد سداد الديون الخارجية في تخفيف الضغوط المالية وإتاحة هامش حركة أكبر للحكومة.
ويتابع سعيد:
الإدارة النقدية لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على استقرار المنظومة المالية، حيث نجح البنك المركزي في الانتقال التدريجي من نظام سعر الصرف الثابت إلى التعويم الموجّه، وهو ما ساعد في الحفاظ على استقرار العملة رغم انخفاض قيمتها.
وقف تمويل العجز عبر طباعة النقود ساهم في خفض معدلات التضخم إلى مستويات أقل من التوقعات، في وقت سجلت الاحتياطيات الأجنبية مستويات قياسية، بينما حافظ القطاع المصرفي على تماسكه بفضل الإصلاحات السابقة للحرب وسياسات إدارة المخاطر الصارمة، وهو ما مكّن البنوك من مواصلة الإقراض ودعم النشاط الاقتصادي.
ويضيف أن القطاع الخاص أظهر مرونة لافتة في التكيف مع ظروف الحرب، حيث قامت الشركات بنقل عملياتها إلى المناطق الغربية الأكثر أماناً، كما اعتمدت العديد من المصانع على مصادر طاقة بديلة لتجاوز أزمات انقطاع الكهرباء. ويشير إلى أن قطاع الصناعات الدفاعية شهد نمواً استثنائياً، إذ تضاعف إنتاجه عشرات المرات ليغطي جزءاً مهماً من احتياجات الجيش، بالتوازي مع انتعاش قطاع البناء المرتبط بمشروعات التحصينات والبنية التحتية، كما بقي الاستهلاك المحلي متماسكاً بدعم من ارتفاع الأجور الحقيقية وتدفقات تحويلات اللاجئين في الخارج.
ويؤكد سعيد أن أوكرانيا نجحت كذلك في إيجاد مسارات بديلة للتصدير بعد تعطل موانئها الرئيسية، من خلال ممرات برية ونهرية مع دول الاتحاد الأوروبي، ما ساعد على استمرار تصدير المنتجات الزراعية وتوفير العملة الأجنبية. كما يشير إلى أن قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية برز كأحد أهم مصادر النمو، إذ تمكن العاملون فيه من مواصلة العمل عن بعد وتحقيق إيرادات بمليارات الدولارات، بالتوازي مع تطور الخدمات الحكومية الرقمية التي ساهمت في تقليل البيروقراطية وتحسين تحصيل الضرائب وتعزيز ثقة المانحين وتسريع خطوات الاندماج الأوروبي.
ويحذر في الوقت نفسه من أن المؤشرات الإيجابية لا تعني خروج الاقتصاد من دائرة المخاطر، موضحاً أن الاقتصاد ما زال هشاً ويواجه سقف نمو محدوداً بسبب تحديات هيكلية عميقة، أبرزها النقص الحاد في العمالة الماهرة نتيجة الهجرة والتجنيد العسكري، إلى جانب الأضرار الكبيرة التي لحقت بقطاع الطاقة وما تسببه من ارتفاع تكاليف الإنتاج، فضلاً عن الارتفاع المتسارع في الدين العام وما يفرضه من ضغوط مالية مستقبلية.
تحول في النهج الأميركي تجاه الحرب الأوكرانية في عهد ترامب#الاقتصاد الأوكراني





