وفي خضم تصاعد الضربات العسكرية وتضرر البنية التحتية، بدأت مؤشرات واضحة تظهر على اهتزاز الجبهة الداخلية، من بينها تعثر خطط التعبئة العسكرية، وظهور حالات فرار للجنود في بعض الوحدات، إلى جانب أزمة متفاقمة في الإمدادات والسلع الأساسية، بحسب ما كشف عنه موقع “إيران إنترناشيونال”.

كما تشير تقارير استخباراتية غربية إلى أن الضربات المكثفة التي استهدفت منشآت عسكرية ومراكز قيادة داخل إيران أدت إلى حالة من الارتباك داخل أجهزة الأمن، حيث تواجه هذه المؤسسات صعوبات في إعادة تنظيم صفوفها بعد خسائر واسعة خلال الأيام الأولى من الحرب.

يأتي ذلك في الوقت الذي كثف الجيش الإسرائيلي ضرباته على البنية التحتية لقوات الباسيج التابعة للنظام الإيراني، معتبرًا أن هذه القوات تُعد من أبرز أدوات النظام في السيطرة الأمنية وقمع الاحتجاجات داخل البلاد، حيث أسفرت تلك الضربات في محافظة إيلام وحدها عن تدمير معظم الممتلكات الرئيسية المرتبطة بالباسيج، بما في ذلك مقار قيادة ووحدات تابعة لها وبنى تحتية يستخدمها الحرس الثوري لتعزيز نفوذ هذه القوات في المحافظة.

وعلى الرغم من الانتقادات المتصاعدة للسياسات الإيرانية، توعّد الحرس الثوري الإيراني، بمواجهة أي احتجاجات جديدة ضد السلطة برد “أكثر حدة”، من ذلك الذي قُوبلت به المظاهرات التي شهدتها البلاد في يناير الماضي، والتي أسفر قمعها عن مقتل آلاف الأشخاص.

أما على المستوى الإنساني، بدأت تداعيات الحرب تظهر بشكل واضح في حياة المدنيين داخل إيران، فوفق تقديرات وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أدت العمليات العسكرية المستمرة منذ أواخر فبراير إلى نزوح 3.2 مليون شخص داخل البلاد، حيث اضطر العديد من السكان إلى مغادرة المدن الكبرى وخاصة العاصمة طهران، والانتقال إلى مناطق أكثر أمناً في الشمال أو الأرياف، في مؤشر على حجم الأزمة الإنسانية المتصاعدة.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فمع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للدبلوماسيين الإيرانيين للحصول على طلب اللجوء، كشف موقع “إيران إنترناشيونال” أن اثنين من الدبلوماسيين الإيرانيين قررا ترك منصبيهما في الخارج، وتقدما بطلبات لجوء في الدنمارك وأستراليا، وهما علی رضا صحبتي، الدبلوماسي بالسفارة الإيرانية في كوبنهاغن، ومحمد بور نجف، الدبلوماسي بسفارة طهران في كانبرا.

أما على مستوى السجناء السياسيين في إيران، فأشار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في بيان وصل “سكاي نيوز عربية” نسخة منه، إلى أن “حياة وصحة السجناء، لا سيما السجناء السياسيين في جميع أنحاء البلاد، مهددة بشكل خطير، إذ يواجهون المخاطر الناجمة عن القصف المستمر من جهة، والإجراءات القمعية والضغوط والقيود المزدوجة من قبل حراس السجن من جهة أخرى، وهو ما أثار موجة من القلق، خاصة بين عائلاتهم”.

وأشار المجلس إلى أنه بعد قصف مركز عسكري بالقرب من سجن مهاباد، قام السجناء بالاحتجاج، وأشعلوا النار مطالبين بالإفراج عنهم في ظروف الحرب، في الوقت الذي ردت قوات النظام بإطلاق الغاز المسيل للدموع داخل العنبر، ما أسفر عن إصابات بينهم.

ووثق نشطاء إيرانيون مقاطع مصورة تُظهر قيام عناصر من “الباسيج” بإقامة نقاط تفتيش تحت أحد جسور الطرق السريعة في العاصمة طهران، في خطوة تأتي خشية رصدهم أو استهدافهم من قبل الطائرات الإسرائيلية المُسيّرة.

تضييقات وتردي اقتصادي

بدوره، أوضح الأكاديمي والناشط من “كردستان إيران”، سوران بالاني، أن حالة الخوف الشديد تهيمن على الشارع الإيراني في ظل التصعيد العسكري، فالكثير من المواطنين يلتزمون منازلهم بعد تحذيرات صريحة من السلطات بعدم التواجد في الشوارع، إذ جرى تهديد السكان صراحة بالاعتقال في حال رصد أي تجمع أو وجود في الأماكن العامة.

وأضاف بالاني في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءًا بصورة ملحوظة، في وقت تشهد فيه عدة مدن موجة نزوح داخلية، حيث يغادر عدد من السكان مراكز المدن باتجاه الضواحي أو القرى والمناطق الريفية، خوفًا من الاستهدافات العسكرية التي تطال مقار ومراكز أمنية وحكومية”.

وأوضح أن الضربات الصاروخية استهدفت مواقع تابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية، من بينها مقار الأمن والمخابرات والجيش والحرس الثوري، إضافة إلى مراكز الشرطة وقوات “الباسيج”، لافتًا إلى أن كثيرًا من هذه المقرات يقع داخل الأحياء المركزية للمدن، وهو ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا المدنيين جراء القصف، وهذا ما دفع العديد من العائلات التي تعيش بالقرب من تلك المواقع إلى مغادرة منازلها والانتقال إلى مناطق أبعد أو إلى قرى ومناطق ريفية أكثر أمانًا.

وفيما يتعلق بالأوضاع المعيشية، أشار “بالاني” إلى أن “الأسعار شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، نتيجة نقص بعض السلع والمواد الغذائية في الأسواق، الأمر الذي فاقم الضغوط الاقتصادية على المواطنين”.

كما أكد أن “السلطات شددت القيود على تداول المعلومات، حيث جرى تحذير المواطنين من نشر مقاطع فيديو أو صور للأحداث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن أي محاولة لتوثيق ما يجري أو نشره قد تُعامل كجريمة يعاقب عليها بعقوبات مشددة، في إطار محاولات السلطات إحكام السيطرة على الوضع الداخلي”.

المتظاهرون “أعداء” في نظر النظام

أما الباحث المتخصص في الشأن الإيراني وجدان عبد الرحمن، فأشار إلى تصريح قائد الشرطة الإيرانية الذي حذر المتظاهرين من أن السلطات ستتعامل معهم على أساس كونهم “أعداء”.

وكانت هيئة البث الإيرانية الرسمية قد نقلت عن قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان قوله: “إذا قام أحد بعمل يتماشى مع رغبات العدو، فلن ننظر إليه بعد الآن على أنه مجرد متظاهر، بل سننظر إليه على أنه عدو”، في إشارة واضحة إلى تشدد السلطات في التعامل مع أي تحركات احتجاجية داخل البلاد.

وأوضح عبد الرحمن أن “هذه التصريحات تعكس طبيعة المقاربة الأمنية التي تتبناها السلطات الإيرانية في مواجهة الشارع، خاصة مع النظر إلى الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في مطلع العام الجاري انتهت بسقوط عدد كبير من الضحايا، وهو ما يكشف حجم العنف الذي يمكن أن تلجأ إليه السلطات في مواجهة أي تحركات شعبية”.

وأشار إلى أن الخطاب الصادر عن قائد الشرطة يعكس قلقًا متزايدًا داخل دوائر الحكم في طهران من احتمال اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات، خاصة في ظل الضربات العسكرية المتواصلة التي تتعرض لها البلاد، وما تسببه من ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة.

وأضاف: “بالنسبة للشارع الإيراني فهذه فرصة ثمينة لإسقاط النظام، الذي يتعرض لضربات موجعة، لكن رغم ذلك فالأمر ليس سهلاً ما لم توجد مناطق عازلة، كما أن هناك كثيرون يرغبون في الانشقاق عن قوات الحرس الثوري وقوات الشرطة، لكن ليس لديهم ملجأ، وعندما يتم إنشاء الغطاء الجوي سنشهد قريبًا انشقاقات واسعة داخلها”.

وختم بالقول: “الشارع الإيراني سيكون مع أي حراك يسعى لإسقاط النظام الإيراني، لأن الشارع وصل إلى نتيجة صعبة، وهذا ما يتخوف منه النظام”.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version