وفي تطور يعكس تصاعد القلق الدولي من دور الإسلاميين في الحرب السودانية، صنّفت الولايات المتحدة مؤخراً “تنظيم الإخوان في السودان” كمنظمة إرهابية عالمية، متهمةً إياها بارتكاب عمليات قتل جماعي على أساس عرقي وتلقي تدريب ودعم من الحرس الثوري الإيراني.
ويأتي القرار في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تعاظم النفوذ الإيراني داخل السودان، بما يهدد استقرار المنطقة وأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
شبكة نفوذ بين الإسلاميين وطهران
وقال تقرير أعده معهد كريستيان ميكلسن النرويجي، الذي يعد أحد أبرز مراكز الدراسات في شمال أوروبا المتخصصة في تحليل النزاعات في أفريقيا، إن علاقة الحركة الإسلامية السودانية بإيران ليست طارئة، بل تعود جذورها إلى تسعينيات القرن الماضي عندما أقامت الخرطوم تحالفاً سياسياً وأمنياً وثيقاً مع طهران.
وبحسب التقرير، فإن الثورة الإيرانية عام 1979 شكلت مصدر إلهام أيديولوجي للإسلاميين السودانيين الذين وصلوا إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1989، ما فتح الباب أمام تعاون أمني وعسكري واسع. فقد قامت إيران بتدريب عناصر من الأجهزة الأمنية السودانية في أوائل التسعينيات، كما ساهمت في بناء المجمع الصناعي العسكري السوداني، بما في ذلك دعم مصنع اليرموك العسكري الذي لعب دوراً محورياً في إنتاج الأسلحة داخل البلاد.
ويرى التقرير أن هذا الدعم الخارجي ساعد على نشوء منظومة عسكرية واقتصادية معقدة تربط الجيش بالصناعات الدفاعية مع الحركة الإسلامية السودانية، وهي منظومة وصفها التقرير بأنها شبكة نفوذ قوية اتسمت بالفساد وتداخل المصالح بين العسكريين والإسلاميين.
عودة التحالف بعد حرب السودان
مع حاجة الجيش السوداني إلى السلاح في مواجهة قوات الدعم السريع، أعادت الخرطوم علاقاتها الدبلوماسية مع طهران نهاية العام 2024 بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات بضغط دولي.
وتشير تقارير متعددة إلى أن إيران زودت الجيش السوداني بأسلحة متطورة، بينها طائرات مسيّرة ساعدته في تحقيق مكاسب ميدانية في الحرب.
لكن هذا التقارب أثار قلقاً متزايداً، خصوصاً مع تنامي دور جماعات إسلامية مسلحة داخل الحرب، مثل كتيبة البراء بن مالك المرتبطة بالحركة الإسلامية.
العقوبات الأميركية تضيق الخناق
في هذا السياق، جاء القرار الأميركي بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيماً إرهابياً، وهو تصنيف يشمل الحركة الإسلامية وجناحها المسلح كتيبة البراء بن مالك.
وتتهم الولايات المتحدة هذه الجماعات بارتكاب إعدامات جماعية وعمليات قتل ذات طابع عرقي، إضافة إلى تلقي تدريب ودعم من الحرس الثوري الإيراني.
ويرى مراقبون أن هذا القرار يضع الجيش السوداني أمام مأزق متزايد، إذ إن أي تعاون مع هذه الجماعات قد يعرضه لعقوبات إضافية ويزيد من عزلته الدولية.
البحر الأحمر يدخل دائرة الصراع
لكن المخاوف الدولية لا تتوقف عند الداخل السوداني.
فالتقرير يحذر من أن السودان قد يتحول إلى نقطة ارتكاز جديدة للصراع الإقليمي في البحر الأحمر، في ظل تنامي العلاقة مع إيران وتصاعد التنافس الدولي على النفوذ في هذا الممر البحري الحيوي.
ومع تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز نتيجة التوترات الإقليمية، تزداد الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، الذي يقع ميناء بورتسودان على ساحله.
خصوصاً مع سعي إيران منذ سنوات إلى إيجاد موطئ قدم بحري في السودان، وهو ما يثير مخاوف من إعادة إحياء هذا المشروع في ظل التقارب العسكري الحالي.
تحذير من محور إيراني – حوثي عبر السودان
ويحذر التقرير من أن أخطر السيناريوهات يتمثل في احتمال تشكل محور إيراني – حوثي جديد يمتد نحو السودان، خصوصاً مع تلميح قيادات حوثية بعودة استهدافهم للسفن التجارية في حال استمرت الهجمات على إيران، بعد فترة هدوء استمرت نحو ثلاثة أشهر توقفوا فيها عن مهاجمة السفن.
وفي حال تعمق التقارب بين طهران والسلطة القائمة في بورتسودان، التي يهيمن عليها الجيش وحلفاؤه من الإسلاميين، فإن ذلك قد يحول الموانئ السودانية إلى منصة نفوذ إيرانية جديدة على البحر الأحمر، ما يهدد طرق التجارة العالمية وحركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.





