فبين تقارير دولية متزايدة وتسريبات صادرة من داخل الحركة الإسلامية، تتشكل صورة أكثر تعقيدا، جيش يقاتل في الميدان، وشبكات تنظيمية يُعتقد أنها لا تزال حاضرة داخل بنيته وتؤثر في مساراته.
تسريب كِبِر.. السلطة خلف الواجهة
في واحدة من أبرز التطورات، كشف تسريب بثته “سكاي نيوز عربية” للقيادي الإسلامي البارز عثمان محمد يوسف كِبِر، نائب الرئيس المخلوع عمر البشير، ورئيس مجلس الشورى الحالي لحزب المؤتمر الوطني، الجناح السياسي للحركة الإسلامية، عن رواية مختلفة لطبيعة السلطة في السودان.
وبحسب ما ورد في التسريب، فإن العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية لا تقتصر على التنسيق أو التحالف، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى النفوذ داخل المؤسسة نفسها، بما يشمل التأثير في القرار السياسي والعسكري.
كما أشار التسريب إلى دور الحركة الإسلامية في مرحلة ما بعد سقوط نظام عمر البشير، بما في ذلك إعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة، والدفع بقيادات عسكرية إلى مواقع متقدمة، من بينها الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
هذا الطرح يتقاطع مع ما تذهب إليه تقارير وتحليلات دولية حديثة.
إخوان داخل المؤسسة العسكرية
كشفت تقارير دولية، من بينها تقرير لوكالة رويترز، أن الإسلاميين في السودان لم يكتفوا بالدعم السياسي، بل انخرطوا عمليا في المجهود الحربي إلى جانب الجيش، حيث ساهموا في رفده بمقاتلين، وشاركوا في عمليات التعبئة والتدريب، في خطوة تعكس سعيا واضحا لاستخدام الحرب كمدخل للعودة السياسية.
وتشير تحليلات دولية إلى أن شبكات الإسلاميين، التي تشكلت خلال ثلاثة عقود من حكم البشير، لا تزال تحتفظ بنفوذ داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأجهزة العسكرية والأمنية، وهو ما يفسر استمرار حضورها في مفاصل القرار.
وفي هذا السياق، يشير الباحث في الشأن السوداني، أليكس دي وال، إلى أن الحركة الإسلامية بنت شبكة نفوذ عميقة داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك القطاع العسكري والأمني، وهو نفوذ لم يتلاشَ بسقوط النظام.
كما يرى الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، جوناس هورنر، أن عناصر النظام السابق لا تزال تحتفظ بتأثير داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، ما يعكس استمرارية البنية التي تأسست خلال سنوات الحكم الطويلة.
ميدانيا، برزت أيضا تشكيلات مسلحة ذات خلفية إسلامية، أبرزها “كتيبة البراء بن مالك”، التي تقاتل إلى جانب الجيش، في مؤشر على تداخل متزايد بين القوات النظامية ومجموعات مسلحة ذات طابع أيديولوجي.
من ملف داخلي إلى قضية دولية
تزامن هذا الواقع مع خطوات أمريكية لافتة، تمثلت في تصنيف الحركة الإسلامية وواجهاتها وأذرعها المسلحة ضمن قوائم الإرهاب، وهو تطور لا يستهدف الجماعات وحدها، بل يفتح الباب أمام استهداف أي جهة تتعامل معها.
وهو ما يعني أن أي ارتباط مثبت بين الجيش وهذه الجماعات قد يفتح الباب قانونيا أمام استهدافه بالعقوبات.
هذا التحول يضع العلاقة بين الجيش وهذه الشبكات تحت تدقيق دولي متزايد، ويحوّلها من قضية داخلية إلى ملف يرتبط بالأمن الإقليمي والسياسة الدولية.
احتمالية فرض عقوبات على الجيش
السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن أن تمتد العقوبات إلى الجيش نفسه؟
تشير تقديرات خبراء إلى أن القوانين الأمريكية تتيح فرض عقوبات على الجيوش ووزارات الدفاع والأجهزة الأمنية، وهو ما تؤكده سوابق دولية.
وفي هذا السياق، يقول الخبير في القانون الدولي نادر عبد الرحمن، في حديث لـ “سكاي نيوز عربية”، إن القوانين الأميركية، بما في ذلك أنظمة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك – OFAC)، تتيح فرض عقوبات على الجيوش ووزارات الدفاع والأجهزة الأمنية.
ويضيف: “هناك سوابق دولية واضحة، إذ فُرضت عقوبات على الجيش في دولة ميانمار، كما تم تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية”.
لكن عبد الرحمن استدرك قائلا: “استهداف الجيوش ككل يظل خيارا نادرا، ولا يتم اللجوء إليه إلا بعد استنفاد المسارات السياسية الأخرى”.
لماذا تتأنى الدول في معاقبة الجيوش؟
يرى خبراء أن الدول تتجنب هذا الخيار لعدة اعتبارات. فالجيش يمثل الطرف الرئيسي في أي تسوية سياسية، واستهدافه بالكامل قد يؤدي إلى إغلاق قنوات التفاوض.
كما أن إضعاف المؤسسة العسكرية في دول تعاني نزاعات قد يقود إلى انهيار الدولة نفسها، وهو سيناريو تسعى القوى الدولية لتجنبه.
إلى جانب ذلك، تميل السياسات الدولية ككل إلى التمييز بين المؤسسة والعناصر داخلها، بحيث يتم استهداف الأفراد أو الوحدات أو الشبكات المرتبطة، بدلاً من المؤسسة ككل، وهو ما يجعل العقوبات عادة تأتي بشكل تدريجي يتصاعد مع تطور الأحداث.
متى يصبح الجيش هدفا مباشرا؟
السيناريو الأكثر حساسية يتمثل في إثبات وجود علاقة مباشرة بين الجيش وجماعة مصنفة إرهابية.
وفي الحالة السودانية، يرتبط هذا الاحتمال بمدى العلاقة مع الحركة الإسلامية وكتائبها المسلحة، خاصة في ظل مشاركة تشكيلات مصنفة ضمن قائمة الإرهاب في القتال إلى جانب الجيش، مثل كتيبة البراء بن مالك.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا التداخل، دون إجراءات واضحة للفصل بين المؤسسة العسكرية وهذه الشبكات، قد يفتح الباب أمام تصعيد في طبيعة العقوبات.
مسار تصاعدي نحو العقوبات؟
بحسب تقديرات مراقبين، حتى الآن، لا يزال استهداف الجيش السوداني ككل بالعقوبات خيارا غير مرجح في الوقت الحالي، لكن المؤشرات تشير إلى تصاعد تدريجي في مستوى الضغط الدولي.
ومع توسع نطاق العقوبات لتشمل شبكات وأفرادا مرتبطين بالإسلاميين، فإن استمرار هذا الوضع دون تغيير قد يدفع نحو مراحل أكثر تقدما.
وفي حال لم يقم الجيش بخطوات واضحة، تشمل فك الارتباط مع الحركة الإسلامية، وتفكيك الكتائب المسلحة المرتبطة بها، وتطهير صفوفه من النفوذ التنظيمي، فإن خطر العقوبات سيبقى قائماً، وقد يتطور في نهاية المطاف ليطال المؤسسة العسكرية نفسها.
خاتمة: مفترق طرق
في مشهد سوداني معقد، تتداخل فيه السياسة بالحرب، يبرز سؤال حاسم: هل يستطيع الجيش إعادة تعريف نفسه كمؤسسة وطنية مستقلة، أم أن ارتباطاته الحالية ستضعه على مسار تصاعدي نحو العقوبات الدولية؟
الإجابة على هذا السؤال قد لا تحدد فقط مستقبل المؤسسة العسكرية، بل مستقبل السودان.





