وبينما تقاس وتيرة المحادثات بالأيام، تبقى الأسئلة الجوهرية ممتدة على عقود، في ظل قرار أميركي يتأرجح بين تيارين متباينين داخل البيت الأبيض، وخليج يعيد صياغة مفهوم أمنه الإقليمي بهدوء محسوب.
هذه المقاربة التحليلية عكسها كل من الباحث في الشؤون الأميركية والشرق الأوسط بمركز الإمارات للدراسات والبحوث محمد الظهوري، ورئيس مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية زيد عيادات، خلال حديثهما إلى سكاي نيوز عربية.
يرى محمد الظهوري أن الموقف الخليجي من المحادثات الأميركية الإيرانية يتسم بالإيجابية، لكنه ليس ثابتا، بل شهد تحولا واضحا بعد 28 فبراير، حيث اختلفت الرؤية الخليجية لطبيعة هذه المحادثات ومخرجاتها المحتملة.
ويؤكد أن دول الخليج، التي انتهجت منذ بداية الحرب سياسة النأي بالنفس عن أي انخراط عسكري هجومي، باتت تربط دعمها للمحادثات بجملة من الشروط الأساسية، في مقدمتها احترام سيادتها، ووقف الاعتداءات، وتقويض القدرات الصاروخية الإيرانية، وتأمين مضيق هرمز.
وفي موازاة ذلك، يبرز توجه خليجي نحو إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة، عبر السعي إلى بناء التزامات دفاعية، تتجاوز التصنيفات التقليدية للعلاقات الثنائية، في ظل إدراك متزايد لأهمية الخليج كقلب نابض للاقتصاد العالمي.
حسابات التهدئة
ويفسر الظهوري لجوء الرئيس الأميركي إلى التهدئة في الأسبوع الرابع من الحرب باعتبارات داخلية مركبة، تتوزع على ثلاثة أبعاد رئيسية: سياسية، اقتصادية، وقانونية.
فعلى المستوى السياسي، واجهت الإدارة الأميركية موجة انتقادات متصاعدة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، تمحورت حول غياب استراتيجية واضحة لنهاية الحرب. أما اقتصاديا، فقد شكل ارتفاع أسعار النفط وتداعياته على سلاسل الإمداد ضغطا داخليا إضافيا.
وفي البعد القانوني، يبرز دور الكونغرس، الذي يحتفظ بصلاحيات إعلان الحرب والموافقة على التمويل، حيث يواجه الرئيس ضغوطا لتقديم مبررات قانونية واضحة لاستمرار العمليات، خاصة في ظل الحاجة إلى تفويض رسمي لاستخدام القوة العسكرية.
كما تتقاطع هذه المعطيات مع اقتراب الانتخابات النصفية، وتراجع شعبية الإدارة، ما يدفعها إلى تجنب التصعيد الذي قد يفاقم الكلفة السياسية.
انقسام داخل الإدارة.. بين “أميركا أولا” و”الصقور”
تكشف تصريحات الظهوري عن انقسام داخل الإدارة الأميركية بين تيارين رئيسيين: تيار “أميركا أولا”، الذي يرفض الانخراط في الحروب الخارجية ويركز على الداخل، وتيار “الصقور” الذي يدفع نحو الحسم العسكري.
ويعكس هذا الانقسام ما وصفه بأزمة هوية في المقاربة الأميركية، حيث تتباين الرؤى بين إدارة الأزمة وضرورة إنهائها عسكرياً، خاصة في ظل قناعة لدى بعض الأطراف بأن استمرار النظام الإيراني سيدفعه نحو تعزيز قدراته الردعية.
الغموض الاستراتيجي وتحديات الحرب
يطرح الظهوري تفسيرين لسلوك الإدارة الأميركية: إما غياب استراتيجية واضحة، أو اعتماد مبدأ الغموض الاستراتيجي لتحقيق أهداف نفسية وعسكرية.
كما يلفت إلى أن المهلة المحدودة للمسار الدبلوماسي، والتي لا تتجاوز خمسة أيام، تبدو غير كافية، مع مؤشرات ميدانية على استمرار التعزيزات العسكرية، ما يرجح احتمالات عودة التصعيد، خاصة عبر العمليات البحرية والجوية، ضمن مقاربة تعتمد على “الموازنة الخارجية” دون التورط البري.
الحرب امتداد للسياسة
من جهته، ينطلق زيد عيادات من مقاربة نظرية تعتبر الحرب امتدادا للسياسة بوسائل أخرى، مشيرا إلى أن اللجوء إلى القوة العسكرية جاء بعد فشل المسارات الدبلوماسية في حل التنازع على المصالح.
ويؤكد أن الأهداف المعلنة للحرب، المرتبطة بالبرنامج النووي والصاروخي الإيراني، تحققت جزئيا وفق الرؤية الأميركية، لكن الأهداف الأعمق تتجاوز ذلك، لتشمل إعادة تشكيل موقع إيران ضمن التوازنات الدولية.
مضيق هرمز.. العقدة الاستراتيجية
يضع عيادات مسألة السيطرة على مضيق هرمز في صلب الأهداف غير المعلنة، معتبرا أن قدرة إيران على تهديد هذا الشريان الحيوي للتجارة والطاقة العالمية تمثل تحديا استراتيجيا للولايات المتحدة.
ويشدد على أن أي إنجاز أميركي سيظل ناقصا ما لم تحل هذه المسألة بشكل حاسم، مرجحا أن واشنطن لن تقبل بأي صيغة تمنح إيران دورا في إدارة المضيق، لما لذلك من تأثير على نفوذها العالمي.
تفاوض تحت الضغط وأهداف متباينة
يرى عيادات أن المفاوضات الجارية تتم تحت ضغط عسكري مستمر، وهو نمط متكرر في العلاقات الأميركية الإيرانية، حيث تستخدم القوة كأداة لفرض شروط التفاوض.
ويطرح تساؤلات حول توقيت التواصل بين الأطراف، وما إذا كان نتيجة مباشرة للتهديدات الأميركية، معتبرا أن هذه التفاصيل غير المعلنة تشكل مفتاح فهم السلوك السياسي للطرفين.
كما يشكك في فرص نجاح المحادثات خلال المهلة المحددة، في ظل توسع أجندة التفاوض، ما قد يؤدي إلى تمديدها أو انهيارها.
إيران في سياق التنافس الدولي
يؤكد عيادات أن الصراع لا يقتصر على إيران، بل يندرج ضمن تنافس أوسع بين الولايات المتحدة والقوى الكبرى، خصوصا الصين، حيث تمثل السيطرة على مصادر الطاقة أحد محاور هذا الصراع.
وفي هذا الإطار، تصبح إيران حلقة ضمن سلسلة أوسع من الحسابات الاستراتيجية، تتعلق بإدارة تدفقات النفط والطاقة، وتأثيرها على موازين القوى العالمية.
أهداف الحرب.. إضعاف لا إسقاط
يخلص عيادات إلى أن إسقاط النظام الإيراني ليس هدفا مباشراً للولايات المتحدة، بل يتمثل الهدف في إضعافه إلى حد يجعله غير قادر على تهديد المصالح الأميركية، أو دفعه إلى التغير من الداخل.
ويشير إلى أن الحرب كشفت عن تهديدات بنيوية تمثلها إيران لدول الخليج، ما يستدعي إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي.
كما يحذر من سيناريو الفوضى داخل إيران، معتبرا أن انهيار السيطرة قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على المنطقة بأكملها، تتجاوز في خطورتها بقاء النظام نفسه.





