في هذا السياق، قدم كل من خميس آل علي، الباحث في شؤون إسرائيل والشرق الأوسط في مركز الإمارات للدراسات، وعدنان العبادي، الباحث في مركز زيدان للأمن والدفاع، تحليلا معمقا للأوضاع خلال حديثهما إلى سكاي نيوز عربية مسلطين الضوء على أبرز نقاط التوتر في المنطقة، وضرورة مشاركة دول الخليج في أي ترتيبات مستقبلية لضمان أمن مستدام للمنطقة.
شروط لا تقبل التفاوض.. 5مطالب خليجية أو لا اتفاق
أكد الباحث خميس آل علي، أن ما جرى عام 2015 لن يتكرر، إذ وصف اتفاق آنذاك بأنه كان “اتفاقا ضعيفا بضمانات ضعيفة”، مشيرا إلى أن المشهد الراهن، عقب تاريخ 28 فبراير 2026، بات يستوجب اتفاقيات ذات بنود صارمة وضمانات صلبة.
وحدد آل علي 5 محاور لا يمكن التنازل عنها في أي ترتيب مقبل:
- أولا: إنهاء قدرات التخصيب داخل الأراضي الإيرانية كليا.
- ثانيا: تسليم المخزون المخصَب إلى طرف ثالث، وغالبا ما يكون الولايات المتحدة، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- ثالثا: إدراج بنود صريحة تتعلق بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والقدرات العسكرية الإيرانية التي باتت تهدد أمن منطقة الخليج.
- رابعا: التزام إيراني رسمي بوقف دعم الوكلاء خارج حدودها.
- خامسا: دفع إيران تعويضات لدول الخليج جراء استهدافها المناطق المدنية، مستندا إلى أن هذا الاستهداف يشكل انتهاكا صريحا للقانون الدولي وقانون الحروب، ولا سيما أن الضربات طالت المنشآت المدنية لا القواعد الأميركية.
وأضاف آل علي مطلبا سادسا ذا طابع دولي، وهو رفع حق الفيتو الإيراني على مرور السفن عبر مضيق هرمز، معتبرا ذلك “مسؤولية للمجتمع الدولي” لا يمكن التهاون فيها.
من يحكم إيران؟.. مثلث السلطة في مواجهة العالم
لم يتردد آل علي في الإجابة، عن السؤال الأكثر إلحاحا في المشهد الراهن — مع من يتفاوض العالم؟.. مشيراً إلى أن 3 أطراف تمسك فعليا بزمام القرار الإيراني: نجل المرشد، ورئيس البرلمان قاليباف، ومقر العمليات العسكرية للحرس الثوري “خاتم الأنبياء”.
وأكد أن المجتمع الدولي بات ملزما بالتعامل مع هذا المثلث بوصفه السلطة الحاكمة الفعلية لتلك الجغرافية، غير أنه حرص على التمييز بين مسألتين لا تلتقيان: فرض معادلة أمنية صارمة على من يحكم، وهو ما يعني المجتمعَ الدولي ويستوجب حسمه، ومصير النظام ذاته الذي يبقى شأنا خالصا للشعب الإيراني وحده.
وخلص إلى أن الغاية الجوهرية ليست إسقاط نظام أو إبقاءه، بل انتزاع معادلة أمنية لا يستطيع أي حاكم، كائنا من كان، التملص منها.
وأيد هذه القراءة الباحث في مركز زيدان للأمن والدفاع عدنان العبادي، الذي أشار إلى وجود “فصل حاد داخل إيران بين القيادة السياسية والقيادة الميدانية”، مبينا أن رئاسة مسعود بزشكيان ووزير خارجيته يسعيان إلى المسار الدبلوماسي، لكنهما “ليسا أصحاب سلطة”، بينما يبقى الحرس الثوري “المسؤول الأول والأخير عن القرارات والتهديدات”، ومن ثم “يجب أن يحاسب ويدفع الثمن”.
أوراق ضغط خليجية.. موثقة وقانونية وحاسمة
رأى آل علي أن دول الخليج تمتلك رصيدا قويا من أوراق الضغط، أولها أنها أعلنت الحياد صراحة قبيل اندلاع الحرب ورفضت السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها في أي عمليات ضد إيران، مما يسقط أي مسوغ لضربها.
فضلا عن ذلك، أشار إلى وجود إثباتات موثقة على أن الضربات الإيرانية طالت فنادق ومساجد ومحطات كهرباء وحقولا نفطية، ما يعني خسائر في الأرواح المدنية بمن فيهم رعايا أبرياء من جنسيات متعددة.
وأضاف أن دول الخليج تملك أيضا حق تجميد الأصول المالية الإيرانية ومصادرتها، واصفا ذلك بأنه “إجراء قانوني تستطيع دول الخليج فعله”.
وعزز العبادي هذه الرؤية بأرقام لافتة، مشيرا إلى أن ما بين 85 و90 بالمئة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية وجهت إلى دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية، في مقابل ما لا يتجاوز 10% باتجاه إسرائيل، مستخلصا من ذلك أن دول الخليج هي “المتضررة رقم واحد” وأحق الأطراف بأن يكون لها “الإصبع الأكبر” في أي مفاوضات.
التفاوض وجيف الحرب.. مسار موازٍ لا منفصل
قدم العبادي تشخيصا دقيقا للمرحلة الراهنة، واصفا إياها بـ”مرحلة إدارة القرار” بعد أن تجاوزت الحرب ذروة التصعيد العسكري.
ولفت إلى أن باكستان تبذل جهودا حثيثة لإيجاد “مساحة مشتركة” بين السقفين الأميركي والإيراني العاليين، غير أن مهمتها الوساطة تبقى عسيرة في ظل “غياب الثقة” بين الطرفين.
وأشار آل علي إلى الهوة الواسعة بين خطة الـ15 نقطة الأميركية التي سربها الإعلام الإسرائيلي، والمطالب الإيرانية الـ5، لافتا إلى احتمال اللجوء إلى “اتفاقيات جزئية مؤقتة” على غرار نموذج غزة، كفتح مضيق هرمز مقابل وقف إطلاق النار لفترة محددة. بيد أنه أكد أن الأمر الجوهري يبقى في “نتيجة حاسمة تنهي التهديد الإيراني إلى الأبد”.
وفي السياق ذاته، ربط العبادي نهاية الحرب بأحد سيناريوين لا ثالث لهما: “اتفاق دبلوماسي مفاجئ، أو ضربة قاصمة للعمود الفقري الإيراني”، موضحا أن العمل العسكري لفتح مضيق هرمز يستلزم مراحل متتالية تبدأ بالاستطلاع والتشويش الإلكتروني، وتنتهي بتحييد كامل عناصر التهديد، مؤكدا التفوق العسكري الأميركي النوعي والتقني في مقابل الاعتماد الإيراني على الكمية.
السلاح النووي وخطر وجودي لا يقبل المساومة
اتفق الباحثان على أن منح إيران السلاح النووي خط أحمر مطلق. وقال آل علي إن واشنطن لن تنهي الحرب دون ضمان إخراج المخصب من إيران بأي وسيلة، سواء بالقوة أو عبر الاتفاق، مستندا إلى تصريحات معلقين سياسيين أميركيين نافذين طالبوا علنا بعمليات خاصة برية لتحقيق هذا الغرض.
وأوضح أن تصريحات بعض الشخصيات المحسوبة على النظام الإيراني بشأن الفتوى المتعلقة بالسلاح النووي لن تغير من موقف المجتمع الدولي شيئا.
أما العبادي فقد لفت إلى أن امتلاك إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة واستخدامها مباشرة ضد دول الجوار يجعل وجود سلاح نووي في يدها “خطرا على المجتمع الدولي كاملا”.
ختم الباحثان تحليلهما بمطالبة صريحة: يجب أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي حاضرة في أي مفاوضات تخص مستقبل المنطقة، مباشرة أو عبر إدراج شروطها ومطالبها على طاولة التفاوض.




