بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، تعهّد بنيامين نتنياهو بـ تحقيق “النصر كامل” في الصراع الذي تلا الهجوم. ومع ذلك، وبعد أكثر من عامين، لا تزال أعداء إسرائيل، رغم ضعفهم بلا شك، صامدين.

لا تزال حماس ومقاتلوها يسيطرون على ما تبقى من نصف قطاع غزة، كما أن حزب الله، الذي قال نتنياهو إنه “سُحق” في عام 2024، يواصل إطلاق وابل منتظم من الصواريخ من لبنان على شمال إسرائيل. وبعد أقل من عام على إعلانه “انتصارا تاريخيا” على إيران، تجد إسرائيل والولايات المتحدة نفسيهما مجددل في حالة حرب طهران.

وبدلا من الوعد بنصر حاسم، أصبح رئيس الوزراء يتحدث الآن عن المسار الطويل للتاريخ، والتهديدات التي تتصاعد وتنحسر، وتغيير “توازن القوى” في المنطقة، في وقت يهيئ فيه الإسرائيليين لمستقبل تكون فيه الأخطار مستمرة والصراع مفتوحا.

وقال نتنياهو في خطاب حديث أمام ضباط عسكريين متخرجين: “لا مزيد من احتواء التهديدات. لا مزيد من فكرة ‘فيلا في الغابة’ حيث تختبئ من المفترسين خلف الجدار. على العكس، إذا لم تذهب إلى الغابة، فإن الغابة ستأتي إليك”.

في هذا التصور، الذي يصفه بعض المحللين بأنه “عقيدة نتنياهو” الناشئة، يجب على إسرائيل أن تشن ما تسميه حروبا “استباقية” ضد أي تهديدات محتملة؛ وأن تستولي على أراض من جيرانها لإنشاء “مناطق عازلة” بين الأعداء ومواطنيها، وأن تعتمد على القوة المستمرة كضمان حقيقي للأمن.

وبالنسبة لمايكل ميلشتاين، وهو ضابط استخبارات عسكرية سابق يعمل الآن في جامعة تل أبيب، فإن هذا النهج يشبه “عقيدة أمن قومي ما بعد الصدمة”، تشكلت كرد فعل تلقائي بعد هجوم 7 أكتوبر، لكنها تفتقر إلى دراسة معمقة.

ويشير منتقدون إلى غياب أي مبادرة دبلوماسية حقيقية تعد بتسوية إقليمية أكثر استدامة، ويحذرون من كلفة إشعال معارك متتالية على مكانة إسرائيل الدولية، مع قلة التفكير في الخسائر البشرية لدى الطرف الآخر.

وقال ميلشتاين إن موقف نتنياهو وأنصاره يمكن تلخيصه في عبارة: “نحن لا نثق بالعرب ونؤمن فقط بالقوة والأرض”.

وأدت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران إلى إشعال صراع امتد عبر الشرق الأوسط وأرسل موجات صدمة إلى الاقتصاد العالمي.

لكن استخدام القوة لمهاجمة التهديدات المحتملة ليس جديدا بين رؤساء وزراء إسرائيل. فقد قصف مناحيم بيغن مفاعل العراق النووي عام 1981، مؤسسا عقيدة تحمل اسمه تقوم على ضرب أي أسلحة دمار شامل ناشئة في المنطقة. كما فعل إيهود أولمرت الشيء نفسه ضد مفاعل نووي سوري عام 2007.

ورغم مواقفه المتشددة تجاه إيران والفلسطينيين وسمعته الداخلية كرجل “الأمن”، كان نتنياهو خلال ثلاثة عقود في السلطة ينظر إليه على أنه أكثر حذرا في خوض النزاعات.

وقال دينيس روس، وهو دبلوماسي أميركي مخضرم يعرف نتنياهو منذ 1989، إن رئيس الوزراء كان دائما ميالا لتجنب المخاطر.

لكن ذلك تغير بعد هجوم 7 أكتوبر ، فبحسب روس، “يبدو أن الحذر قد اختفى”.

وأضاف مسؤول إسرائيلي سابق رفيع: “في إسرائيل، أيا كان رئيس الوزراء، الدرس الأساسي هو أنك لا تستطيع شراء ‘الهدوء’، بل يجب أن تبادر بجولات قتال لدرء التهديدات”، مؤكداأن هذا النهج سيستمر حتى بعد نتنياهو، لأنه “لا خيار آخر بعد 7 أكتوبر”.

لكن على عكس الحروب التي خاضها أسلافه، فإن النزاعات الحالية بلا نهاية واضحة. ففي حين بنى دافيد بن غوريون عقيدة أمن قومي تقوم على حروب قصيرة وحاسمة بسبب صغر حجم الدولة، فإن إسرائيل تخوض الآن حربا مستمرة منذ عامين ونصف، وهي الأطول في تاريخها.

يخوض الجيش الإسرائيلي حربا جوية مع إيران، ويوسع هجومه البري في لبنان، ولا يزال يسيطر على نصف غزة، إضافة إلى أجزاء واسعة من جنوب غرب سوريا. كما تم نشر قوات إضافية في الضفة الغربية المحتلة، في حين استأنف الحوثيين في اليمن إطلاق الصواريخ على إسرائيل.

ويصر نتنياهو ووزراؤه على أنهم يخططون لإعادة إنشاء “منطقة أمنية” واسعة عبر السيطرة على أراض داخل جنوب لبنان، والاحتفاظ بمناطق عازلة أخرى في غزة وسوريا بشكل دائم، وهو ما يراه روس وعدد من المحللين الإسرائيليين “غير مستدام” بالنظر إلى حجم الجيش الحالي.

وأدى الضغط المتزايد إلى تحذير رئيس أركان الجيش إيال زامير الحكومة، الأسبوع الماضي، من أن الجيش يحتاج إلى نحو 15 ألف جندي إضافي، نصفهم قوات برية. ونُقل عنه قوله: “أرفع 10 أعلام حمراء… بهذا المعدل سينهار الجيش من الداخل”.

ورغم أن الحرب ضد إيران، التي استمرت أكثر من شهر، لا تزال تحظى بشعبية، حيث يبلغ دعمها بين الإسرائيليين اليهود 78 بالمئة وفق استطلاع حديث، يرى بعض معارضي نتنياهو أن إبقاء البلاد في حالة حرب دائمة يخدم مصالحه السياسية، خاصة مع اقتراب الانتخابات.

وقال ميلشتاين: “أي انتقاد يقابل باعتباره غير وطني… وسيقول أنصار الحكومة ببساطة: ‘أنتم لا تفهمون اللحظة التاريخية التي نعيشها’”.

لكن غياب نتائج واضحة أثار غضبا شعبيا بسبب التناقض بين التهديدات المستمرة وتصريحات نتنياهو السابقة بشأن حزب الله وحماس، وكذلك تعليقاته بعد الحرب التي استمرت 12 يوما ضد إيران في يونيو الماضي.

ويطالب العديد من سكان شمال إسرائيل باتخاذ إجراءات أكثر حسما في لبنان لوقف صواريخ حزب الله.

وقال مسؤول إسرائيلي سابق: “كان ‘النصر الكامل’ دائما مجرد شعار… ولم يرسل الجيش أبدا لتحقيق هذا الهدف فعليا… لكن الانتقادات الآن تأتي من الفجوة بين وعود الحكومة والواقع العسكري”.

ومع ذلك، يصر نتنياهو وأنصاره على أن استراتيجيتهم العسكرية تسير في الاتجاه الصحيح، مؤكدين أن الحروب الأخيرة “غيرت وجه الشرق الأوسط” وضمنت وجود إسرائيل.

وقال يعقوب عميدرور، المستشار السابق للأمن القومي والمقرب من نتنياهو، إن سلسلة العمليات في غزة ولبنان وإيران تهدف إلى تجنب حروب شاملة متزامنة على عدة جبهات.

وأوضح: “المنطق كان ضرب الوكلاء أولا للتركيز على إيران… والوصول إلى الهجوم عليها في أفضل وضع ممكن”.

ويقول مسؤولون إسرائيليون إنه بعد انتهاء الحرب الحالية مع إيران، ستتصاعد العمليات ضد حزب الله، وربما يعود التركيز لاحقا إلى غزة إذا لم تؤد الهدنة التي توسطت فيها الولايات المتحدة إلى نزع سلاح حماس.

أما في إيران، فيؤكد مسؤولون عسكريون إسرائيليون أن الهدف ليس إسقاط النظام كما لمح نتنياهو، بل “إضعافه” وتدمير قدراته العسكرية وتأخير التهديد لأطول فترة ممكنة.

حتى نتنياهو نفسه لم يضمن أن تكون هذه الجولة الأخيرة من الصراع مع إيران، رغم تصريحاته السابقة بأنه أزال “التهديدات الوجودية”.

ويرى عميدرور أن أي اتفاق قد يبرمه دونالد ترامب لإنهاء الحرب يجب أن يتضمن بندا يضمن “حق إسرائيل في ضرب إيران مجددا كلما أُعيد بناء برامجها النووية والصاروخية.

وبالنسبة لكثير من المحللين والمسؤولين الإسرائيليين السابقين، فإن فشل نتنياهو في تحويل الإنجازات العسكرية إلى نصر استراتيجي أو تسوية دبلوماسية دائمة يمثل نقطة ضعفه الأساسية.

 وقال مسؤول سابق: “وصف هذا بـ‘العقيدة’ أمر مبالغ فيه… فكلما ظهرت مشكلة، يرسل الجيش، ورغم إلحاق ضرر أكبر بأعدائنا، فهذا ليس الهدف النهائي”.

وأضاف: “تنظر المنطقة إلى إسرائيل على أنها قوية، لكنها ليست شريكا موثوقًا لتحقيق الاستقرار… ولا يوجد أي عمل دبلوماسي حقيقي”.

وأشار روس إلى أن إنشاء منطقة عازلة في لبنان قد يحمي الإسرائيليين مؤقتا، لكن احتلالا طويل الأمد قد يعيد شرعية حزب الله ويجعل السلام مستحيلا.

حتى حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة يحذرون من تداعيات ذلك على التحالف الاستراتيجي، خاصة مع تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل بين الديمقراطيين والجمهوريين.

ومع ذلك، يبدو أن نتنياهو غير متردد، إذ يعتقد أنه إذا استمر في القتال لفترة كافية، فإن إيران إما ستهزم عسكريا أو تسقط أو تجبر على الاستسلام، وفق الصحيفة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version