وبينما تتواصل الاتصالات الدبلوماسية عبر وساطة باكستانية، تتكشف ديناميات جديدة تحكم سلوك الأطراف، تعكس تراجعا نسبيا في موقع إيران التفاوضي مقابل تشدد أميركي مدعوم بوقائع ميدانية ضاغطة.
ويقدم كل من موفق حرب، محمد الحمادي، ومحمد الزغول قراءات تحليلية متقاطعة ترصد تحولات ميزان القوة، وتفكك أدوات النفوذ الإيراني، وتعقيدات القرار داخل طهران، في ظل معركة مفتوحة على سيناريوهات متعددة.
ضغط أميركي مركّب وتفاوض تحت الإكراه
يرى الصحفي المتخصص في الشؤون الأميركية، موفق حرب، أن قبول الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالضغط لوقف العمليات العسكرية مؤقتا يعكس قناعة بوجود جدية نسبية في الموقف الإيراني، لكنها جدية ناتجة عن وضع ميداني واقتصادي متدهور.
فبحسب تقديره، تدرك الاستخبارات الأميركية أن إيران تمر بحالة شبه إفلاس، مع تضرر كبير في قدراتها العسكرية، ما يجعل موقفها التفاوضي أضعف مقارنة بالمراحل السابقة.
ويؤكد حرب أن ما جرى في إسلام آباد لا يمكن اعتباره فشلا دبلوماسيا، بل عدم الوصول إلى اتفاق نهائي، مع استمرار الاتصالات والهدنة.
ويشير إلى أن ترامب يفضل التفاوض تحت الضغط، وهو ما يتجسد في الجمع بين العمليات العسكرية سابقا، والحصار الاقتصادي لاحقا، خصوصا عبر شل الموانئ الإيرانية.
ويضيف أن هذا الحصار يشكل أداة خنق اقتصادي قد تسهم في تليين الموقف الإيراني، دون المبالغة في تقدير انهيار كامل للنظام، إذ لا يزال يحتفظ بحد أدنى من القدرة على الصمود.
كما يلفت إلى أن ترامب يسعى لتحقيق صورة نصر داخليا وخارجيا، مع إبقاء خيار العودة إلى التصعيد العسكري مفتوحا.
مؤشرات إيجابية حذرة وسط تناقضات ميدانية
من جهته، يرى الكاتب الصحفي محمد الحمادي، أن المؤشرات الحالية تميل إلى الإيجابية، مستندا إلى تصريحات ترامب والتحركات الميدانية، خصوصا الدور الباكستاني الذي بات محوريا بعد تأكيد واشنطن أنه الوسيط الوحيد، مع ترجيح أن تكون إسلام آباد مقر المفاوضات.
ويعتبر الحمادي أن الضغط الأميركي بدأ يحقق نتائجه، في ظل شلل الموانئ الإيرانية وانتقال طهران من موقع الهجوم إلى الدفاع. ومع ذلك، يشدد على أن الوضع لا يزال معقدا، وأن الوصول إلى نتيجة إيجابية يتطلب استكمال المسار التفاوضي ضمن الإطار الزمني المحدد.
ويبرز الحمادي تحولا لافتا في فعالية الأوراق الإيرانية، حيث يرى أن طهران فقدت قدرتها على توظيف أدواتها الإقليمية كما في السابق. فمحاولات استخدام مضيق هرمز أو تحريك حلفائها الإقليميين لم تعد تحقق نفس التأثير، بل قد تنعكس سلباً عليها في ظل تغير قواعد الاشتباك، حيث باتت أي تحركات تُنسب مباشرة لإيران وتستجلب ردوداً عليها.
تفكك أدوات النفوذ وتراجع فعالية الأذرع
يتقاطع تحليل الحمادي مع ما يطرحه الباحث في مركز الإمارات للدراسات محمد الزغول، بشأن تراجع فعالية الأذرع الإقليمية، إذ يشير الأخير إلى أن العلاقة بين إيران وهذه المجموعات تقوم على مركزية القرار في الحرس الثوري، لكن ضعف المركز ينعكس تلقائيا على الفروع.
ويؤكد الزغول أن هذه الأذرع لم تعد قادرة على حماية إيران أو تحقيق أهداف استراتيجية حاسمة، كما أن تراجع قوة الأصل الإيراني يؤدي إلى إضعاف تلقائي لهذه الشبكات، حتى وإن احتفظت ببعض قدراتها.
وفي السياق ذاته، يلفت الحمادي إلى أن الأيديولوجيات المرتبطة بالمشروع الإيراني تحتاج وقتا للتآكل، لكن تراجع الدعم المركزي سيؤدي تدريجيا إلى انحسار تأثيرها، خاصة في ظل ما وصفه بصدمة لدى بعض الحلفاء نتيجة تخلي طهران عنهم في لحظات حاسمة.
من جهته، يشير موفق حرب إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في غموض مركز القرار داخل إيران، حيث لا يوجد وضوح حول من يقود المرحلة فعليا. ويضيف أن تشكيلة الوفد الإيراني في مفاوضات إسلام آباد قدمت مؤشرات للأجهزة الاستخباراتية الغربية حول مراكز النفوذ الحقيقية.
ويتقاطع هذا الطرح مع تحليل الزغول، الذي يوضح أن الوفد الإيراني ضم أربع مؤسسات مختلفة، لكل منها رؤيته، ما أدى إلى غياب الإجماع وتأخر الوصول إلى موقف موحد. ويؤكد أن هذا التعدد فرض على الوفد العودة إلى طهران للتشاور الداخلي، وليس فقط مع القيادة العليا.
كما يشير الزغول إلى وجود صراع بين أجندتين: الأولى تمثلها القوى المتشددة في الحرس الثوري وتسعى للحسم العسكري، والثانية يقودها ترامب مع أطراف إيرانية معتدلة تميل إلى الحل السياسي.
النووي بين الردع والابتزاز
يبرز الملف النووي كجوهر الصراع، حيث يوضح موفق حرب أن الولايات المتحدة ترفض السماح لإيران بأي مستوى من التخصيب على أراضيها، بينما تصر طهران على حقها في ذلك، ما يعمّق فجوة الثقة.
ويشير إلى أن المشكلة الأساسية ليست في الضمانات التي قد تقدمها إيران، بل في انعدام الثقة، خاصة مع وصول التخصيب إلى مستويات مرتفعة، ما يثير الشكوك حول نوايا عسكرية كامنة.
من جانبه، يقدم الزغول قراءة أعمق، معتبرا أن الخطر لا يكمن فقط في امتلاك القنبلة النووية، بل في الوقوف على العتبة النووية، الذي مكن إيران من ابتزاز المجتمع الدولي عبر التلويح بإمكانية التحول إلى قوة نووية في أي لحظة.
ويؤكد أن هذه الاستراتيجية كانت أساس التفاوض في مراحل سابقة، ومكنت إيران من توسيع نفوذها الإقليمي، إلا أن إدارة ترامب سعت إلى كسر هذا النمط عبر إعادة إيران بعيداً عن هذه العتبة.
الضغوط الداخلية وتآكل القدرة على الصمود
يلفت الزغول إلى أن الضغوط لم تعد خارجية فقط، بل باتت داخلية أيضا، حيث ترسل الحكومة الإيرانية رسائل مباشرة إلى الشعب بشأن العجز عن دفع الرواتب أو تأمين السلع الأساسية، في محاولة للضغط على التيارات المتشددة.
ويرى أن هذه الرسائل تعكس صراعا داخليا بين مؤسسات الدولة، حيث تحاول أطراف اقتصادية ومدنية دفع الحرس الثوري نحو تقديم تنازلات لتفادي الانهيار.
وفي السياق ذاته، يشير حرب إلى أن العقوبات الحالية تختلف عن سابقاتها، لأنها تتزامن مع ضربات عسكرية واحتجاجات داخلية واغتيال قيادات، ما يجعل تأثيرها أكثر عمقاً.
ويتفق المحللون على أن هدف تغيير النظام ليس معلنا بشكل واضح، لكن حرب يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى بالضرورة إلى إسقاطه، في حين أن إسرائيل قد تفضل ذلك.
أما الزغول فيحذر من سيناريو انهيار الدولة الإيرانية، معتبرا أن العالم انتقل من الخوف من إيران إلى الخوف عليها، لما قد يسببه انهيارها من فراغ سياسي خطير.
ويؤكد أن أي تغيير محتمل يتطلب معالجة بنيتين أساسيتين: نظام ولاية الفقيه، ودور الحرس الثوري، بما يفضي إلى إعادة تشكيل الدولة بشكل تدريجي وليس عبر انهيار مفاجئ.





