أحدث تلك الضربات الخليجية ما أعلن عنه جهاز أمن الدولة في دولة الإمارات في 20 أبريل، بشأن تفكيك تنظيم إرهابي والقبض على عناصره، لتورطهم في نشاط سري استهدف المساس بالوحدة الوطنية وزعزعة الاستقرار، من خلال التخطيط لتنفيذ أعمال إرهابية وتخريبية ممنهجة على أراضي الدولة. وقد كشفت التحقيقات مع أعضاء التنظيم ارتباطه بـ”ولاية الفقيه” في إيران.
وبناءً على تقارير أمنية ورصد إعلامي خلال الفترة الممتدة من أوائل مارس وحتى 20 أبريل 2026، تمكنت الأجهزة الأمنية في دول مجلس التعاون الخليجي من ضبط وتفكيك ما لا يقل عن 9 خلايا إرهابية وتجسسية مرتبطة بإيران وحزب الله.
ويرى محللون ومختصون في الشأن الإيراني، في حديثهم لـ”سكاي نيوز عربية”، أن الضربات الأمنية التي نفذت مؤخرا ضد ما يعرف بـ”الخلايا النائمة”، تعكس تصاعدا في كفاءة المنظومة الأمنية الخليجية، وقدرتها على تفكيك شبكات معقدة كانت تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي.
وخلال قرابة 40 يوما من العداون الإيراني المكثف عبر الصواريخ الباليستية والجوالة والطائرات المسيرة، نجحت دول الخليج في تحصين أجوائها بفضل الاعتماد على إستراتيجية دفاعية وطنية قائمة على تعدد الطبقات، حيث تم بناء جدار صد متين يغطي كافة مستويات الارتفاعات الجوية.
فبينما خصصت رادارات المراقبة بعيدة المدى لرصد الصواريخ الباليستية في مراحلها الأولى، عملت وحدات الدفاع الجوي بكفاءة عالية على تحييد المسيرات وصواريخ الكروز عند اقترابها من الأهداف الحيوية. هذا التميز الميداني نتاج سنوات من التدريب المكثف للأطقم البشرية الوطنية التي اكتسبت خبرة استثنائية في إدارة المعارك الرقمية المعقدة، والقدرة على اتخاذ قرار الاعتراض في أجزاء من الثانية. كما لعب الربط الإلكتروني الموحد بين غرف القيادة والسيطرة دورا جوهريا في توزيع الأدوار ومنع حدوث ثغرات أمنية أثناء الهجمات المتزامنة.
وبفضل هذه الجاهزية العالية والقدرة على دمج التقنيات الحديثة مع الخبرات القتالية المتراكمة، تمكنت القوات الوطنية من حماية السيادة الجوية وتأمين المنشآت الاقتصادية ضد مختلف أشكال التهديدات الجوية المتطورة بكفاءة واقتدار.
معادلة ردع جديدة
وتعكس التطورات المرتبطة بالعمليات الأمنية الداخلية، انتقال دول الخليج إلى مرحلة تفكيك التهديد قبل تشكله، وذلك عبر دمج الأدوات الاستخباراتية والتكنولوجية والمالية، بما يعيد رسم معادلة الردع في مواجهة ما يُعرف بـ”حرب الظل”.
وبينما تواصل إيران تنويع أدواتها بين الخلايا النائمة والفضاء السيبراني والوكلاء الإقليميين، تبدو دول الخليج ماضية في بناء نموذج أمني أكثر صرامة، يقوم على الاستباق، والتكامل، وحرمان الخصم من ميزة المفاجأة.
تأتي هذه التطورات في وقت تغير فيه نمط التهديدات الإيرانية، من المواجهات التقليدية عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى استهداف العمق الداخلي للدول، عبر شبكات سرية وواجهات اقتصادية وأدوات سيبرانية، ما فرض على دول الخليج تعزيز “اليقظة الأمنية” وتبني استراتيجيات أكثر مرونة واستباقية.
منظومة متكاملة
واعتبر سياسيون ومراقبون أن العملية الأمنية الأخيرة في دولة الإمارات وما سبقها من نجاحات عززت الثقة في قدرة منظومتها على إجهاض أي محاولات إيرانية للعبث داخل البلاد، وأثبتت قدرة البلاد واحترافيتها في التعامل مع الأخطار مهما بلغ حجمها.
وأكد أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، الثلاثاء، أن الإمارات تثبت كل يوم أنها الدولة القوية بقيادتها وقيمها ومؤسساتها، صلبة في مواجهة العدوان.
وقال قرقاش في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”: “في زمن التحديات تُختبر قوة الدول، والإمارات تثبت كل يوم أنها الدولة القوية بقيادتها وقيمها ومؤسساتها؛ صلبة في مواجهة العدوان، حازمة في التصدي لمخططات التآمر على الأمن، وكفؤة وعادلة في إدارة شؤون المجتمع والاقتصاد بكفاءة وتميّز”.
وأضاف: “ستبقى الإمارات تجتاز التحديات بثقة، وتثبت جدارتها في كل اختبار”.
كما برزت قدرة الإمارات على توظيف التقنيات الحديثة لا سيما الذكاء الاصطناعي في مواجهة محاولات زعزعة الأوضاع الداخلية في البلاد، لا سيما وأن البلاد استثمرت كثيرا في مواكبة هذا المجال وتطوير نماذجها الخاصة بما يخدم أهدافها المستقبلية.
وقال أستاذ العلوم السياسية والأكاديمي الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله عبر حسابه على منصة إكس إن “الإمارات دار أمن وأمان بفضل يقظة جهاز أمنها الوطني، واحترافية قياداته، وتوظيفه لأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ولا مكان فيها لعبث العابثين. وهي التي أكدت حصانتها في وجه العدوان الخارجي، تبقى أيضا حصنا حصينا من الداخل في مواجهة قوى الشر والفوضى”.
اللافت في الأمر هو مدى التناغم والتناسق بين المنظومات الأمنية المختلفة في دولة الإمارات واستغلال التقدم التقني في تنفيذ ضربات استباقية تجهض المخططات التي تستهدفها في وقت مبكر.
بدوره قال الكاتب والمفكر سليمان الهتلان :”نحن على ثقة راسخة بأن دولة الإمارات أثبتت قدرتها على صد العدوان الإيراني بكل كفاءة واقتدار، قادرة كذلك على إحباط أي مخطط إرهابي يستهدف أمنها واستقرارها”.
وأوضح أن “الإمارات لا تعتمد فقط على قوة أجهزتها الأمنية وكفاءتها العالية، بل على منظومة متكاملة تجمع بين اليقظة المؤسسية، والتقدم التقني، والعمل الاستباقي الذي يحاصر التهديد قبل أن يتشكل. وهذه القوة تتعزز بتلاحم فريد بين المواطن والمقيم، حيث يشكل الجميع جبهة داخلية واحدة، تدرك أن الأمن مسؤولية مشتركة وليست مهمة جهة بعينها”.
كما لفت إلى أنه “في قلب هذه المنظومة، تقف قيادة حكيمة لا تدخر جهدا، تسهر من أجل حماية الإنسان وصون كرامته، وتؤمن بأن الأمن هو الأساس الذي تبنى عليه التنمية والاستقرار ومستقبل الأجيال. الإمارات قوية بإرادتها، وراسخة بثقة شعبها، وقادرة—كما عهدناها—على تحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز نموذجها في الأمن والاستقرار، في منطقة تموج بالتحديات”.
سياسة تخريبية
بدوره، قال رئيس حزب سربستي كردستان المعارض في إيران، عارف باوه جاني، إنه “منذ عقود لدى إيران سياسة تخريبية تهدف إلى توسيع نفوذها داخل الدول العربية”.
وأوضح جاني، في تصريح خاص لسكاي نيوز عربية، “أن إيران بذلك تسعى إلى تعويض إخفاقاتها وخسائرها في مجالات القوة والدبلوماسية والاقتصاد، من خلال نقل التوتر وخلق الصراعات والفوضى في دول الخليج وإقليم كردستان، بهدف إخفاء آثار تلك الإخفاقات والتخفيف من تداعياتها، حيث تحاول في الآونة الأخيرة إظهار نفسها وكأنها في حالة مواجهة مع الولايات المتحدة، إلا أن معظم هجماتها استهدفت دول الخليج والمراكز الاقتصادية والسياحية في الدول العربية”.
وأضاف أن النظام الإيراني يعمل على إثارة النزاعات ويسعى باستمرار إلى إيجاد موطئ قدم داخل المجتمعات الخليجية، بهدف زعزعة الاستقرار والأمن، وإبقاء حالة من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، بهدف إشغال شعوب دول الجوار.
ورقة ابتزاز
من جانبه، قال عضو لجنة الشؤون الخارجية بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، موسى أفشار: “إن لجوء النظام الإيراني إلى نشر الخلايا المرتبطة به داخل دول الخليج ليس سلوكا منفصلا عن سياسته العامة، بل هو جزء ثابت من عقيدته في استخدام الإرهاب والميليشيات والحرب بالوكالة كأدوات نفوذ وابتزاز”.
وأضاف: “ما أعلنته دولة الإمارات عن تفكيك خلية إرهابية واعتقال عناصرها، بعد إعلان سابق الشهر الماضي عن تفكيك شبكة إرهابية ممولة ومدارة من حزب الله وإيران تحت غطاء تجاري مزيف، يؤكد مرة أخرى أن النظام الإيراني لا يتعامل مع دول المنطقة على قاعدة حسن الجوار، بل على قاعدة الاختراق والضغط وزرع أدوات التخريب داخل المجتمعات والدول”.
وتابع: “هذا السلوك ورقة ابتزاز يستخدمها النظام في أي مفاوضات إقليمية أو دولية، فبينما يجلس على طاولة التفاوض، يحرص في الوقت نفسه على إبقاء أدوات التهديد قائمة من الميليشيات إلى الخلايا النائمة، إلى التهديد بالممرات البحرية، إلى الهجمات على المصالح الاقتصادية والطاقة”.
وشدد “أفشار” على أن أي مفاوضات لا تتناول بشكل صريح بنية الإرهاب العابرة للحدود، وشبكات الوكلاء، ودور الحرس الثوري في زعزعة استقرار دول الخليج العربية، ستكون مجرد تسكين مؤقت للأزمة، لا علاجًا لها.
قدرات في مواجهة خطر صامت
من جهتها، أوضحت الخبيرة الأميركية في الشؤون الأمنية والاستراتيجية إيرينا تسوكرمان أن إيران تستخدم أدوات متعددة المستويات تعمل عبر الأبعاد المادية والرقمية والمالية بشكل متكامل، مشددة على أن الخلايا النائمة تمثل أحد أخطر هذه الأدوات.
وأضافت في تصريحات خاصة لسكاي نيوز عربية: “الخلايا الإيرانية تبقى في حالة سكون لفترات طويلة مع القيام بعمليات مراقبة ورصد للبنية التحتية، مع استعداد دائم للتفعيل، وتكمن خطورتها في عنصر المفاجأة وإمكانية إحداث اضطراب، لكن يقظة الأجهزة الأمنية الخليجية نجحت خلال الشهور الماضية في إحباط تأثيرها ووقف تمددها”.
وأكدت أن “دول الخليج حققت تقدما كبيرا في تعزيز أمنها الداخلي من خلال استثمارات مستمرة في قدرات الاستخبارات والتكنولوجيا والأطر الأمنية المشتركة، كما انتقلت الأجهزة الأمنية إلى نهج استباقي يركز على كشف الشبكات قبل أن تتحول إلى تهديدات فعلية”.





