خاصما تأثير قرار أميركا الجمركي على الاستقرار العالمي؟ تضع خطوة الولايات المتحدة في تفعيل نظام استرداد الرسوم الجمركية الملغاة -والتي وصلت قيمتها إلى نحو 166 مليار دولار- الأسواق العالمية أمام منعطف تنظيمي جديد. فمع تدفق الشركات لتقديم مطالباتها وسط ترقب دقيق لردود الفعل الإدارية والمالية، لم يعد الأمر مجرد تسوية مالية داخلية، بل صار مؤشراً على تحول في ديناميكيات السياسة التجارية الأميركية وتأثيرها العابر للحدود.وبينما تعيد الشركات تقييم استراتيجياتها في ظل هذه التطورات، يطرح المشهد الاقتصادي تساؤلات ملحة تتجاوز حدود الجمارك إلى جوهر النظام التجاري العالمي: هل يغير قرار أميركا الجمركي ملامح التجارة الدولية؟، وما تأثير قرارات أميركا الجمركية على الاستقرار العالمي؟، والأهم كيف تؤثر إجراءات أميركا الجمركية الجديدة على سلاسل التوريد؟
ويرى خبراء اقتصاد في تصريحات خاصة لـ “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أن القرار يمثل مرحلة مفصلية في التجارة العالمية، وإن تباينت تقديراتهم حول عمق تأثيره، فبينما يرى الرئيس التنفيذي لمركز “كوروم للدراسات الاستراتيجية”، طارق الرفاعي، أن القرار قد يعيد تشكيل التجارة بشكل “طفيف” وليس جذرياً، مؤكداً أن التنافس الاستراتيجي الأوسع لا يزال يحرك السياسات التجارية بمعزل عن إجراءات الاسترداد المالية، يعتبر الخبير الاقتصادي هاشم عقل أن ما يجري يمثل “تحولاً دراماتيكياً” يعيد رسم موازين القوى ويقلص النزعة الحمائية، مشيراً إلى أن إعادة مليارات الدولارات للشركات تعد بمثابة حقنة سيولة حيوية للاقتصاد العالمي، رغم استمرار الضبابية السياسية التي تجعل سلاسل التوريد تعمل في بيئة عالية المخاطر.
الإطار القانوني وآليات استرداد الرسوم
ودخل مسار استرداد الرسوم الجمركية حيز التنفيذ في 20 أبريل الجاري، مع بدء إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في استقبال طلبات الشركات، بحسب تقرير نشرته وكالة “بلومبرغ” واطلعت عليه “سكاي نيوز عربية”، وأوضح التقرير أن المستوردين قد لا يرون أموالهم قبل شهرين إلى ثلاثة أشهر، وفقاً للتقديرات الحكومية.
وتعود جذور هذا الإجراء إلى قرار المحكمة العليا في 20 فبراير الماضي بإلغاء الرسوم التي فرضتها إدارة ترامب بموجب “قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية” (IEEPA)، حيث أشار التقرير إلى أن القاضي ريتشارد إيتون وجّه في أمره الصادر في 4 مارس الماضي بأن جميع المستوردين المسجلين الذين خضعت بضائعهم لرسوم (IEEPA) مؤهلون للاستفادة من حكم قضية ليرنينغ ريسورسز” (Learning Resources)، التي أبطلت تلك الرسوم، مؤكداً أن الاستحقاق لا يشترط قيام الشركة بمقاضاة الحكومة سابقاً.
وذكر التقرير أن هذه العملية تشمل استرداد ما قيمته 166 مليار دولار من الرسوم المحصلة، حيث أطلقت الجمارك أداة “الإدارة الموحدة ومعالجة الإدخالات” (CAPE) لتنظيم العملية. ولفت التقرير إلى تفاصيل إجرائية بالغة الأهمية، منها ضرورة تسجيل المستوردين في نظام الدفع الإلكتروني، وهو إجراء لم يستكمله الكثيرون بعد، مما قد يعطل تلقي المبالغ المستردة.
تجارب الشركات وتحديات النظام التقني
وبحسب رويترز، شهد اليوم الأول إقبالاً كثيفاً مع مسارعة آلاف الشركات لتقديم مطالباتها. وأفادت الوكالة أن النظام، رغم تسجيل بعض الأخطاء التقنية، بدأ في العمل بنجاح. ونقلت عن جاي فورمان، الرئيس التنفيذي لشركة “بيسيك فن” لصناعة الألعاب، قوله إن الشركة جهزت “غرفة عمليات” للتعامل مع النظام فور إطلاقه، مشيراً إلى أن النظام كان يرفض أحياناً تحميل الملفات بسبب الضغط الكبير، مما يضطرهم لإعادة المحاولة، إلا أنه كان يسمح بالتحميل على دفعات، وهو ما ساعدهم في تحميل أكثر من 50 بالمئة من فواتيرهم خلال الساعات الأولى.
ومع ذلك، نبهت رويترز إلى أن الجدول الزمني لمعالجة الطلبات لا يزال غير واضح، ولم يتأكد بعد ما إذا كان التقديم المبكر يمنح أفضلية في السرعة.
ترامب يتهم بريطانيا بالتخلي عنه ويهدد بتعديل الاتفاق التجاريالآفاق القانونية ومخاطر التقاضي
وأشار تقرير “بلومبرغ” إلى أن السلطات بدأت “المرحلة الأولى” التي تركز على الإدخالات المباشرة (التي لم تتم تصفيتها أو تمت تصفيتها خلال الأيام الـ 80 الماضية)، بينما لم تعلن الجمارك بعد عن خطتها للتعامل مع المجموعات الأخرى.
وقد حذر محامو التجارة الشركات من الاعتماد الكلي على نظام (CAPE)، ناصحين إياهم بإبقاء المسارات القانونية الأخرى مفتوحة، مثل الاعتراضات الجمركية أو الدعاوى القضائية، كإجراء احترازي ضد أي تعثر في النظام الجديد.
وعلى صعيد المخاطر القانونية، كشف التقرير أن الرئيس ترامب كان قد شجع الشركات على عدم السعي لاسترداد الرسوم، متوقعاً نزاعات قضائية قد تمتد لخمس سنوات.
وفي سياق منفصل، أوضح التقرير أن المستهلكين الأفراد والعملاء التجاريين غير مؤهلين للاسترداد المباشر، لأن الأموال تُدفع للمستورد المسجل فقط، مما تسبب في موجة دعاوى قضائية جماعية رفعها مستهلكون ضد شركات كبرى مثل “FedEx” و”Costco” و”Lululemon”، مطالبين باسترداد تكاليف الرسوم التي تم تمريرها عليهم سابقاً، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى سلسلة من الدعاوى المتبادلة بين الشركات وشركائها التجاريين.
تحولات جذرية في التجارة العالمية
في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” قال الخبير الاقتصادي هاشم عقل، عضو مجلس أمناء مركز الشرق الأوسط للدراسات الاقتصادية: “يواجه المشهد التجاري العالمي في أبريل 2026 تحولاً دراماتيكياً بعد صدور قرار المحكمة العليا الأميركية الذي قضى بعدم قانونية الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية . هذا القرار أدى إلى فتح الباب لإعادة مليارات الدولارات من الرسوم المحصلة للمستوردين والشركات”.
وأكد عقل أن هذا القرار يغير ملامح التجارة الدولية، وبشكل جذري.، مشيراً إلى أنه لا يقتصر على إعادة الأموال فحسب، بل يعيد رسم موازين القوى التجارية وفقاً لما يلي:
تقليص النزعة الحمائية: بعد أن قفز متوسط الرسوم الجمركية الأميركية إلى مستويات غير مسبوقة (نحو 17 بالمئة)، أدى الحكم القضائي إلى تراجع هذا المتوسط إلى مستوياته السابقة مما يخفف من حدة “الحرب التجارية” الشاملة.
التحول نحو قوانين بديلة: ردت الإدارة الأميركية بتفعيل “المادة 122” لفرض رسوم مؤقتة بنسبة 10 بالمئة إلى 15بالمئة، مما يعني أن التجارة الدولية ستظل في حالة شد وجذب قانوني وسياسي بدلاً من الاستقرار الكامل.
استعادة الثقة في النظام القضائي: القرار أعطى إشارة للشركاء الدوليين بأن السياسات التجارية الأميركية ليست مطلقة اليد، وأن هناك ضوابط قانونية داخلية قد تحد من القرارات الفردية المفاجئة.
بين انتعاش الأسواق والمخاطر
ويرى عقل أن هذا القرار يمثل سيفاً ذو حدين بالنسبة للاستقرار الاقتصادي العالمي وتأثيرات ذلك تتجلى فيما يلي:
تخفيف التضخم العالمي: إعادة 160 مليار دولار للشركات والمستهلكين يقلل من تكلفة السلع النهائية، مما يساعد في كبح جماح التضخم الذي عانت منه الأسواق العالمية طوال عام 2025.
ردود الفعل الانتقامية: رغم أن القرار القضائي إيجابي للشركاء التجاريين، إلا أن إصرار الإدارة على فرض رسوم بديلة قد يدفع دولاً مثل الصين والاتحاد الأوروبي لمواصلة إجراءاتهم المضادة، مما يبقي حالة عدم اليقين مهيمنة على الأسواق.
انتعاش الأسواق الناشئة: الدول التي تعتمد على التصدير إلى أميركا (خاصة في آسيا) بدأت تشهد انتعاشاً في أسهم قطاعات التصنيع والرقائق الإلكترونية بعد إلغاء الرسوم غير القانونية.
واعتبر الخبير الاقتصادي عقل أن سلاسل التوريد هي الأكثر تأثراً بهذه “الارتباكات” المستمرة:
سيولة مفاجئة للشركات: استرداد مليارات الدولارات سيعطي شركات الشحن والمستوردين (مثل FedEx وUPS وغيرهما) سيولة ضخمة، مما قد يُستخدم في توسيع الاستثمارات أو تحديث البنية التحتية اللوجستية.
إعادة تقييم مراكز التصنيع: كانت الرسوم العالية قد دفعت الشركات لنقل مصانعها خارج الصين إلى دول مثل فيتنام أو الهند. الآن، ومع تقلب القوانين، تعيش هذه الشركات حالة من الترقب: هل تعود للصين أم تستمر في استراتيجية “الصين + 1″؟
تسهيل الإجراءات الرقمية: أطلقت الجمارك الأمريكية نظام “CAPE” لتسهيل استرداد الرسوم إلكترونياً، وهو ما يمثل تحولاً تقنياً قد يبسط العمليات الجمركية المعقدة مستقبلاً.
نحن نعيش مرحلة التصحيح القضائي لسياسات تجارية حادة.
إعادة الـ 160 مليار دولار هي بمثابة حقنة سيولة للاقتصاد العالمي، لكن الضبابية السياسية حول الرسوم البديلة تعني أن سلاسل التوريد ستظل تعمل في بيئة عالية المخاطر حتى نهاية عام 2026.
إعادة تشكيل محدودة للتجارة
بدوره، قال الرئيس التنفيذي لمركز “كوروم للدراسات الاستراتيجية”، طارق الرفاعي في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” : “نعم، قد يعيد هذا القرار تشكيل التجارة، ولكن بشكل طفيف في الغالب، وليس كتغيير جذري. ويأتي نظام استرداد الرسوم الجمركية في أعقاب أمر قضائي أمريكي يُلزم الحكومة بإعادة ما يصل إلى 166 مليار دولار من الرسوم الجمركية التي اعتبرت محصّلة بشكل غير قانوني، مما يشير إلى وجود حدود قانونية لاستخدام الرسوم الجمركية بشكل مفرط، وقد يجعل صانعي السياسات أكثر حذراً في المستقبل”.
أما بالنسبة للاستقرار العالمي، فيرى الرفاعي أن الأثر محدود، إذ تخفف عمليات استرداد الرسوم من الضغط المالي على الشركات وتهدئ بعض التوترات التجارية، لكنها لا تزيل التنافس الاستراتيجي الأوسع الذي يحرك الرسوم الجمركية في قطاعات مثل التكنولوجيا والتصنيع.
لكنه اعتبر الأثر بالنسبة لسلاسل التوريد، عملي وقريب المدى. إذ تستعيد الشركات التي تتلقى استرداداً للرسوم تدفقاتها النقدية، مما يمكن أن يُساهم في استقرار المخزونات وقرارات الاستثمار.
ومع ذلك، من غير المرجح أن تتغير أنماط التوريد بشكل كبير ما لم تتغير سياسة الرسوم الجمركية نفسها، وليس فقط طريقة إدارة الرسوم السابقة، طبقاً لما قاله الرفاعي.





