لم يكن الحادث مجرد اختراق أمني صارخ فحسب، بل تحول إلى مرآة عاكسة لانقسامات حادة، وخطاب كراهية متصاعد، وصورة رئيس يستعد لاستثمار الأزمة سياسياً.
وفي تحليلات حصرية، فكك خبراء في الشؤون العسكرية والعلاقات الدولية أبعادَ اللحظة الفارقة، من هفوات “الخدمة السرية” إلى نظرية “الذئب المنفرد”، وصولا إلى تداعياتها على الحرب مع إيران ومستقبل الاستقطاب في الداخل الأميركي.
ثغرات أمنية وأسئلة بروتوكولية معلقة
في تفصيله للثغرات الأمنية، شكك الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي في أداء الأجهزة المسؤولة عن حماية الرئيس.
وقال إن هناك “أكثر من علامة استفهام على الحادث، وعلى طبيعة أداء الخدمة السرية، وأيضا على القوة المعنية بالحفاظ على الأمن في ذلك المكان”.
وأضاف مستغربا: “الفعالية معلنة من قبل شهر، وهي تؤمن وفق أنطقة متعددة، بدءا من الشارع وصولا إلى قاعة الاجتماع”.
وأشار إلى نقطة فنية لافتة بقوله: “الفيديو يثير السؤال: لماذا تم إخلاء النائب قبل الرئيس؟ هناك فاصل زمني يقارب 30 ثانية. لا يمكن للنائب أن يغادر والرئيس متواجد، هذه اعتبارات بروتوكولية بالدرجة الأولى”.
وعلى صعيد مواز، طرح كبير الباحثين في المجلس الأطلسي سمير التقي إشكالية جوهرية تتعلق بكيفية إيصال هذا الكم الكبير من الأسلحة إلى داخل الفندق، ولا سيما أن منفذ الحادث كان مقيما فيه منذ أيام عدة.
وأشار التقي إلى أن ثمة “عيبا في التصميم”، مضيفاً أن جهاز الأمن الذي أعاد الرئيس ترامب هيكلته بعد حادثة فيلادلفيا، والذي أطاح برئيس الخدمة السرية في واشنطن وأدخل قوات جديدة، تعرض لاختراق يطرح تساؤلات جدية حول مستوى كفاءته الفعلية.
الخوف من “منفذ داخلي” يفسر ارتباك الإخلاء
وعن سر ارتباك عملية الإخلاء، قدم العزاوي فرضية مهنية مثيرة للاهتمام، موضحا أنه “لا يستطيع رام واحد أن يؤثر على قاعة مغلقة يتواجد بها الرئيس. لكن هناك حالة واحدة تؤخذ بعين الاعتبار: أن يكون هناك منفذ متخف داخل القاعة”.
وأضاف أن “عملية الجلبة وشد الانتباه ربما كانت لصرف الأنظار عن عملية ستنفَذ على الرئيس بالداخل، وهذا كسيناريو ممكن. وربما فريق الخدمة السرية أخلى الرئيس بناء على هذا التقدير”.
وشدد على أنه “لا تزال هناك ملابسات في الحادث، وأعتقد أنه كان هناك منفذ داخل العملية، وهذا الجلب الذي حدث يُفسَّر أمنياً بهذه الطريقة”.
البعد السياسي ورسائل اللوبي الإيراني
وحول الدوافع السياسية، رأى العزاوي أنه “لا يمكن أن نشيح بنظرنا عن البعد السياسي لهذه العملية، سواء كان داخليا أو خارجيا”، مشيرا إلى أن “ترامب على خصومة كبيرة مع بايدن وأوباما وهناك ملفات كبيرة بينهم”.
وتابع محللا السياق التفاوضي: “إذا نظرنا إلى مناخ التفاوض قبل العملية وبعدها، هناك مؤشرات تشير إلى صلة. قبلها كانت هناك محاولة في الكونغرس لحجب الصلاحية عن الرئيس وفشلت، وقرار ترامب صلب بخصوص الحرب، وربما يكون التخلص منه أحد النتائج”.
ولفت إلى توصيف المنفذ لنفسه، قائلا: “عندما يصف نفسه بأنه قاتل فيدرالي ودود ويربط القتل بالسياسة، لا نستطيع أن نستبعد الجانب السياسي في العملية”.
وفي السياق ذاته، ربط العزاوي بين الحادثة والضغوط المتعلقة بالملف الإيراني، محللا أن الغاية قد تكون التأثير على صنع القرار. وأوضح: ترامب ليس شخصا يستطيع أي أحد التأثير عليه، فالإدارة برمتها هي ترامب وهو صاحب القرار الوحيد، يختلف عن كل الإدارات التي مرت على الولايات المتحدة. وحتى لو لم تكن الغاية الاستهداف المباشر، ربما كانت رسالة لتخفيف التشدد فيما يخص إيران.
هشاشة الدعم الداخلي وتأثيرها على كفاءة التفاوض الخارجي
من جهته، يرى إيلي الهندي أن متانة الدعم الداخلي تشكل ركيزة حاسمة في إدارة السياسة الخارجية، خصوصا خلال المفاوضات الحساسة. فضعف التأييد الشعبي ينعكس مباشرة على موقع المفاوض ويقوض قدرته التفاوضية.
وفي السياق الأميركي، تستغل الأطراف المقابلة هذا العامل، كما في الحالة الإيرانية التي تراهن على تبدل الإدارات. ويضيف أن الطابع الشخصي في القيادة وتهميش المؤسسات يعمقان مخاطر القرارات غير المدروسة، بما يرفع احتمالات الانزلاق نحو صراعات غير محسوبة ويقوّض فرص تحقيق نتائج مستقرة.
وحول السياق الداخلي الأوسع، ركز التقي على حالة الاستقطاب الحاد، قائلا: “هناك تشظ كبير في بنية المجتمع السياسي الأميركي، وهذا الانقسام يجري داخل الأحزاب أيضاً. كتلة ماغا تتعرض لهزة كبيرة الآن”.
وأضاف بوضوح: “هناك انحطاط في الخطاب السياسي”. وفي تحليله للدوافع البنيوية، أشار إلى أن “هذا الانشقاق يأتي معه دور وسائل التواصل الاجتماعي وتوفر السلاح الواسع في ظل قوة لوبي السلاح في عهد ترامب”.
سيناريو “الذئب المنفرد” وغياب التعاون
في قراءة مخالفة، رجح التقي الفرضية السائدة في واشنطن، وهي نظرية “الذئب المنفرد”. وعلل ذلك بقوله: “الاعتقاد بأن هناك شخصاً يتعاون مع المهاجم كان سبب التخبط الذي ظهر في الصالة، لكن هذا لم يثبت حتى الآن على الإطلاق”.
وأضاف: “السؤال الرئيسي المطروح هو كيف وصل هذا الكم من السلاح إلى داخل الفندق؟ لو كان هذا العمل منظما ووجد شخص آخر لكان قد وصل إلى الصالة”.
وحذر في المقابل من حالة اللايقين السياسي التي خلفتها الحادثة، مضيفا: “هذا المستوى من ارتفاع حرارة القلق لا يفيد الرئيس. هذه المرة، على عكس المرات الماضية، لم تعزز شعبيته”.
وتجاوز كل من التقي والهندي حدود قراءة الحادثة الأمنية، ليضعاها في سياق أزمات هيكلية أعمق تعصف بإدارة ترامب.
فقد لفت التقي إلى أن “علامات اقتصادية جدية بدأت تظهر جراء هذه الحرب، سواء فيما يتعلق بأسعار الطاقة أو انكسار سلاسل الإنتاج المتعلقة بالإلكترونيات والسماد، وهو ما تشتكي منه إنديانا وأريزونا”، مشيراً إلى أن الولايات الزراعية التي شكلت عماد قاعدة ترامب باتت تُعرب عن تذمر واضح، مما يضيق هامش المناورة أمام الرئيس في المرحلة المقبلة.
وأكد التقي أن المفاوضات مع إيران “لن تكون قصيرة”، مما قد يدفع ترامب نحو استخدام “عصا غليظة” في ظل معادلة دقيقة بين التورط البري والاكتفاء بالضغط الجوي.
أما الهندي، فقد أضاء جانبا آخر يتصل بالبنية الداخلية للإدارة، إذ أكد أن “إشكالية الشخصانية” التي عانت منها إدارة ترامب الأولى باتت تتبلور بشكل أوضح مع استقالة ثلاثة وزراء وجنرالات كبار في الأمن.
وقال: “طبيعة الرئيس الذي يركز كل شيء على الولاء له تحيد المؤسسات وصناعة القرار، ومع تحييد المؤسسات تزداد الأخطاء تلقائيا، ويصبح هناك خطر أكبر من خوض حرب كالحرب الإيرانية بشكل عفوي أو غير مدروس كلياً، مما يُضعف احتمال الوصول إلى نتائج ثابتة وسريعة”.
ترامب والاستثمار الداخلي للأزمة
أما الكاتب الصحفي محمد الحمادي، فوصف الحادث بأنه “فشل ذريع” للجهاز الأمني، لكنه اعتبر أن المستفيد الأول منه هو الرئيس ترامب نفسه.
وقال: “ترامب شخصية ذكية وقادرة دائماً على الاستفادة من الأزمات. بدأ فوراً يتحدث عن نفسه وأنه الرجل القوي، وهو سوف يستفيد من هذه الحادثة سواء كانت حقيقية أم مفتعلة”.
وكشف الحمادي أن تساؤل ما إذا كانت الحادثة “مسرحية أم حقيقة” بات يُطرح على مستوى العالم لا في الداخل الأمريكي وحده، معتبراً أن “من المبكر إصدار حكم قاطع في هذه المسألة”.
وأوضح الحمادي أن التأثير الأكبر سيكون داخليا، مضيفا: “ترامب بحاجة إلى إعادة تموضعه داخليا. هناك معارضة ليست قليلة لقرار الحرب على إيران حتى من المؤيدين له. لا يستطيع أن يُكمل الحرب بدون قوة داخلية تسانده. هذه الحادثة جائزة أو هدية يبني عليها قرارات لكسب مزيد من التأييد”.
ولفت إلى أن لغة الخطاب الأميركي تجاه إيران باتت “أكثر شدة وحدة ووضوحا” في أعقاب الحادثة، مستشهدا بأن باكستان أعلنت إزالة نقاط الأمن والحواجز في الفندق الذي كان يُعقد فيه التفاوض، معتبراً ذلك “مؤشراً حقيقياً على الدخول في مرحلة جديدة”.
العنف السياسي كظاهرة متصاعدة
كما حذر الحمادي من ظاهرة أوسع كشفتها الحادثة، وهي تصاعد العنف السياسي في المجتمع الأميركي، قائلا: “اليوم نجد أن الولايات المتحدة يرتفع فيها العنف السياسي نتيجة الاستقطابات بين الأحزاب، وإعلام يؤجج الخلافات، وضعف ثقة المواطنين في المؤسسات الفيدرالية”.
ويتقاطع هذا مع ما ذهب إليه الهندي، الذي أرجع الاستهداف المتكرر لترامب إلى كونه “من خارج المنظومة التقليدية، وشخصيته مستفزة، ويقوم بسياسات تعيد خلط الأوراق كلياً”، مما يجعله هدفاً لمن يرون أنفسهم “مُخلِّصين للبلاد من خطر كبير”، سواء أكانوا مضطربين نفسياً أم عقائديين متشددين.





