وأجج استخدام طائرات مسيّرة في الهجمات الإرهابية التي نفذتها تلك المجموعات في نيجيريا ومالي والنيجر خلال الأشهر الماضية، المخاوف من أن يعقد هذا النمط الجهود الجارية لمكافحة الإرهاب في دول الساحل، خصوصا في ظل الفراغ الاستخباراتي بالمنطقة.
وقال مسؤولون أمنيون وخبراء في “منتدى الدفاع الإفريقي” وجامعات بريطانية، إن الهجمات التي نفذتها الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل وبحيرة تشاد خلال الفترة الأخيرة أظهرت تحولا كبيرا نحو الاعتماد على الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الحديثة، لتقليل الخسائر في أوساط المسلحين، ورفع التكلفة على حكومات دول المنطقة.
ومنذ نهاية عام 2025، لجأت “بوكو حرام” و”داعش” في غرب إفريقيا بشكل متزايد إلى استخدام المسيّرات التجارية الجاهزة، لأغراض المراقبة والهجوم على التشكيلات العسكرية الرسمية.
ولجأت تلك الجماعات إلى طائرات مسيّرة رخيصة، كانت تستخدم لأغراض تجارية، لكن تم تعديلها لتناسب أغراض المراقبة والهجوم.
وقدر مرصد تتبع الإرهاب العالمي عدد الطائرات المسيّرة التي حصل عليها تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا وحده، بنحو 35 طائرة عام 2025.
ويرجح أن تكون الطائرات المسيّرة التي حصل عليها التنظيم تتضمن طرازات جاهزة للاستخدام، وقادرة على حمل متفجرات يصل وزنها إلى 1.5 كيلوغرام، وتطير بسرعة 60 كيلومترا في الساعة تقريبا.
نمط متزايد
ويشير تمكن الجماعات الإرهابية من الحصول على طائرات مسيّرة على نطاق واسع إلى مرحلة أكثر خطورة، ويعد الهجوم الدموي المتزامن الذي نفذه “داعش” بمسيّرات على مطار نيامي في النيجر وقاعدة عسكرية وسط البلاد في أواخر يناير الماضي، تحذيرا فعليا يعكس النمط الجديد للتهديدات.
وكتب باحثون من منظمة “أفريكان سيكيوريتي أناليسيس”: “من المرجح أن تستمر هذه الديناميكيات في الأشهر المقبلة، لا سيما في المناطق الحدودية مع مالي والنيجر، حيث لا يزال وجود الجماعات المسلحة وحركتها راسخا بشكل هيكلي، ولا يبدو أن هناك أي مؤشر على تراجعه”.
ويقول الباحث بجامعة ليدز البريطانية المتخصص في ديناميكيات العنف في إفريقيا أوليانكا أجالا، إن الجماعات الإرهابية عززت إمكانياتها عبر استخدام الطائرات المسيّرة قصيرة ومتوسطة المدى، الإضافة إلى الصواريخ.
ويوضح أجالا لموقع “سكاي نيوز عربية”: “حتى وقت قريب، لم تكن الجماعات المتمردة والإرهابية تستخدم الطائرات المسيّرة المسلحة، لكن ارتفاع الإيرادات وزيادة القدرات التقنية مكنا جماعات مثل داعش وبوكو حرام من الانتقال من استخدام الطائرات المسيّرة لأغراض الاستخبارات والمراقبة إلى نشرها جنبا إلى جنب مع المقاتلين خلال الهجمات على الثكنات العسكرية”.
ويضيف: “تطور أساليب الجماعات الإرهابية في المنطقة أصبح مشكلة كبيرة ومعقدة للغاية. تمكنت تلك الجماعات من توسيع هجماتها، وحصلت على أموال طائلة مكنتها من شراء تكنولوجيا القتال مثل الطائرات المسيّرة”.
فراغ استخباراتي
يرى مراقبون أن نقص المعلومات الاستخباراتية كان سببا في فتح المجال أمام الجماعات الإرهابية للتوسع في استخدام المسيّرات والتكنولوجيا القتالية.
وفي هذا السياق، يشدد أجالا على ضرورة أن تعمل حكومات المنطقة على إعادة تفعيل قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات، ورفع القدرات الاستخباراتية لتعويض الفراغ الذي خلفه إنهاء وجود القاعدة الأميركية في أغاديس شمالي النيجر في أغسطس 2024.
ولسنوات قبل انسحابها، لعبت القاعدة الأميركية في النيجر دورا كبيرا في توفير معلومات استخباراتية حاسمة لدول المنطقة عن أنشطة الجماعات الإرهابية.
وبعد تسلمها الحكم في أعقاب الانقلاب على حكومة محمد بازوم في يوليو 2023، أمرت السلطة العسكرية في النيجر بقيادة الجنرال عمر تشياني بتفكيك القاعدة الأميركية التي أنشئت عام 2019 بتكلفة 100 مليون دولار.
جهود مضادة
وفي محاولة منها لمواجهة الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا في هجمات الجماعات الإرهابية، لجأت نيجيريا إلى الدخول في شراكات محلية ودولية لتطوير أنظمة جديدة تشمل طائرات من دون طيار وروبوتات لإزالة الألغام.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن الجنرال باباتوندي ألايا، رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية النيجيرية المملوكة للدولة، قوله إن الاستثمار في التقنيات الجديدة بات ضروريا نظرا للخسائر الكبيرة التي نجمت عن الهجمات المعتمدة على التكنولوجيا.
ووفقا للأستاذ في كلية لندن للاقتصاد إيزينوا أولومبا، فإن الجماعات الإرهابية في إفريقيا أصبحت أكثر تحديا وتبنيا للتكنولوجيا الحديثة، مما يتطلب تكييف استراتيجية مكافحة الإرهاب مع هذا الواقع الجديد.
ويضيف أولومبا لـ”سكاي نيوز عربية: “من دون استثمار سريع في قدرات مكافحة الطائرات المسيّرة وتعزيز الاستخبارات، تخاطر نيجيريا بفقدان ميزتها العملياتية في حملتها لمكافحة الإرهاب”.
والثلاثاء أعلنت نيجيريا عن مشروع ضخم لإنتاج طائرات مسيّرة اعتراضية وبرمجيات استخبارات ميدانية، وذلك في محاولة للحد من تأثير الاستخدام المتزايد للمسيّرات من قبل الحركات الإرهابية.
ويعد توقيت الخطوة بالغ الأهمية، في ظل تزايد اعتماد جماعة “بوكو حرام” وتنظيم “داعش” على الطائرات المسيّرة والأنظمة التكنولوجية في هجماتها.
وفي نهاية ديسمبر 2025، أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن غارات جوية ضد الجماعات المتمردة في ولاية سوكوتو شمال غرب نيجيريا، واصفا إياها بأنها “هدية عيد ميلاد رائعة” للجماعات الإرهابية، لكن تلك الجماعات فاجأت المراقبين، ليس بتصديها لمعظم الهجمات باستخدام تقنيات حديثة فحسب، بل بإظهار قدرتها على تنفيذ هجمات قاتلة بطائرات مسيّرة، مما أثار مخاوف كبيرة من قدرتها على تكييف التكنولوجيا الحديثة لشن هجمات نوعية.





