خاصهل تتحول أصول الولايات المتحدة إلى سلاح؟تتعمّق الفجوة عبر ضفتي الأطلسي، مع تصاعد مؤشرات التوتر السياسي والعسكري بين أوروبا والولايات المتحدة، في لحظة تبدو فيها أسس الشراكة التاريخية عرضة لاختبار غير مسبوق. فبينما تتراجع مظلة الالتزام الأميركي تجاه أمن القارة الأوروبية، تتزايد في المقابل نبرة الشك والقلق داخل العواصم الأوروبية إزاء توجهات واشنطن الاستراتيجية.تتداخل الضغوط التجارية مع التحولات الجيوسياسية، لتعيد رسم ملامح العلاقة بين الحليفين التقليديين؛ من فرض تعريفات جمركية إلى تهديدات جيوسياسية غير مسبوقة، وصولاً إلى تباين واضح في أولويات الأمن القومي، حيث تركز الولايات المتحدة على الصين، فيما ترى أوروبا أن الخطر الروسي هو التهديد الأكثر إلحاحاً.
تفرض هذه المعطيات واقعاً جديداً لا يمكن اختزاله في سيناريو “الانفصال”، بقدر ما يعكس عملية إعادة صياغة معقدة للعلاقة، تتأرجح بين التباعد السياسي والتشابك الاستراتيجي العميق، في ظل اعتماد أوروبي مستمر على المظلة الأمنية الأميركية، مقابل سعي متزايد لبناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية.
وتحت عنوان “هل تتجه أوروبا وأميركا نحو الانفصال؟”، يشير تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” إلى أن الالتزام العسكري الأميركي تجاه أوروبا يتلاشى، لكن الجانبين ما زالا عالقين في علاقة غير سعيدة في الوقت الحالي.
ويضيف التقرير:
يُعتقد أن إدارة ترامب تدرس قائمة عقوبات تُفرض على الحلفاء الأوروبيين بعد انتهاء حرب إيران.
تشمل الأفكار المطروحة طرد إسبانيا من حلف الناتو وسحب الاعتراف بالسيادة البريطانية على جزر فوكلاند.
لكن ما قد لا تدركه إدارة ترامب تماماً هو أن الغضب متبادل (..).
كما أن ثقة الأوروبيين بالقيادة الأميركية في أدنى مستوياتها على الإطلاق (..).
ويوضح التقرير أن حرب إيران جاءت في أعقاب عام فرضت فيه الولايات المتحدة تعريفات جمركية على حلفائها الأوروبيين وهددت بضم غرينلاند، مما فتح الباب أمام احتمالٍ خطيرٍ يتمثل في احتمال قتال الجنود الأوروبيين للأميركيين.
وقد استعاد بيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، شعبيته السياسية بفضل إدانته الصريحة للسياسة الخارجية الأميركية، حتى أن قادة حلفاء أميركا الأقوياء، مثل بولندا وألمانيا، باتوا يشككون علنًا في قيادة واشنطن، وفق التقرير.
حذّر الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته من أن أوروبا لا تستطيع حالياً الدفاع عن نفسها ضد روسيا دون مساعدة أميركية. وقد أصبح روته الوجه الإعلامي للجهود الأوروبية الرامية إلى إرضاء ترامب بأي ثمن.
إعادة صياغة
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
إن ما تشهده العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة لا يمكن وصفه بالانفصال، بل هو “إعادة صياغة وإعادة توازن للعلاقة، إلى جانب فرض أنماط جديدة من الشراكة”.
أوروبا لا تستطيع الانفصال عن الولايات المتحدة، نظراً لعمق الشراكة التاريخية بين الجانبين، والتي تعود جذورها إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ثمة تناغم اقتصادي كبير وأرضية مشتركة واسعة تربط الطرفين.
التباعد الذي ظهر مؤخراً جاء في أعقاب الحرب في أوكرانيا، حيث تنظر أوروبا إلى التهديد الرئيسي باعتباره قادماً من روسيا والتوسع الروسي، وهو ما خلق اختلافاً في الأولويات الاستراتيجية مقارنة بالولايات المتحدة.
ويشير إلى أن الفترة الحالية تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب شهدت محاولات للتقارب مع روسيا، ما أثار حالة من القلق الأوروبي، إلى جانب الضغوط التي فرضتها السياسات التجارية، بما في ذلك الرسوم الجمركية، وهو ما زاد من حدة التوتر في العلاقات عبر الأطلسي.
ويلفت إلى أن قادة أوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني، سعوا لاحقاً إلى إعادة ضبط العلاقة مع واشنطن، في ظل استمرار الضغوط على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاصة مع تأكيد الولايات المتحدة أنها تتحمل العبء الأكبر في تمويل الحلف وتوفير الأمن الأوروبي.
ويوضح يرق أن هذه الضغوط دفعت أوروبا إلى الاعتماد بشكل أكبر على نفسها، وهو ما انعكس في رفع الإنفاق الدفاعي، خصوصاً في ألمانيا التي أقرت موازنات كبيرة لدعم قطاع الدفاع.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الفارق الجوهري بين الطرفين يكمن في اختلاف الرؤية الاستراتيجية؛ حيث ترى الولايات المتحدة أن التهديد الرئيسي يتمثل في الصين، بينما تعتبر أوروبا أن الخطر الأكبر يأتي من روسيا، مشدداً على أن ما يحدث هو إعادة تشكيل للعلاقات وليس انفصالاً، نظراً للتشابك الأمني والاقتصادي والسياسي العميق بين الجانبين.
استطلاع
بحسب استطلاع جديد أجرته منظمة بوليتيكو الأوروبية بعنوان “نبض أوروبا” وشمل ست دول رئيسية في الاتحاد الأوروبي، يُنظر إلى الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب على أنها تشكل تهديداً أكثر من كونها حليفاً.
ووفق المنصة، فإنه منذ عودته إلى السلطة في يناير 2025، شكك ترامب في التزام واشنطن تجاه حلف الناتو، وهدد بضم غرينلاند وكندا، وفرض تعريفات جمركية على الحلفاء، وشن حرباً مع إيران رفضت الدول الأوروبية الانضمام إليها.
أظهر استطلاع رأي أُجري في مارس في بولندا وإسبانيا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا أن 12 بالمئة فقط من المشاركين يرون أميركا حليفاً وثيقاً، بينما اعتبرها 36 بالمئة تهديداً. في المقابل، اعتبر 29 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع في الدول الست الصين تهديداً.
على المستوى الوطني، تفوق التهديد القادم من واشنطن على التهديد القادم من بكين في أربع دول، حيث اعتبر المستجيبون في فرنسا وبولندا فقط أن التهديد القادم من الصين أعلى.
في إشارة إلى تصلب المواقف تجاه الولايات المتحدة، كشف الاستطلاع أيضاً عن تناقض متفاقم في صميم سياسات الأمن الأوروبي. فالناخبون يريدون لأوروبا أن تكون أكثر تسليحاً واكتفاءً ذاتياً مع تراجع الثقة بالولايات المتحدة، لكن رغبتهم في ذلك تتضاءل إذا كان الدفاع يعني تضحيات شخصية، أو ميزانيات أكبر، أو دعماً مفتوحاً لأوكرانيا.
المعسكر الغربي
وإلى ذلك، يؤكد خبير الشؤون الأوروبية، محمد رجائي بركات، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أن:
مفهوم “المعسكر الغربي” لم يعد كما كان في السابق، حين كان يُنظر إليه ككتلة متماسكة تضم الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، خاصة الاتحاد الأوروبي.
التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، إلى جانب الخلافات بشأن الأوضاع في الشرق الأوسط، أسهمت في تعميق التباينات بين ضفتي الأطلسي.
التوترات تصاعدت كذلك مع عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، وما تبع ذلك من انتقادات حادة للسياسات الأوروبية، وهو ما أدى إلى اتساع فجوة الخلافات بين حلف شمال الأطلسي والدول الأوروبية من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى.
وزير المالية الألماني يهاجم ترامب.. ويدعو أوروبا التصدي لهورغم هذه الخلافات، يشدد بركات على أن الولايات المتحدة لا تملك مصلحة في إنهاء دور حلف الناتو، ليس فقط كتحالف عسكري، بل كأداة سياسية تعزز نفوذها داخل أوروبا. ويضيف أن أوروبا، رغم سعيها لتحقيق “استقلالية دفاعية”، لا تزال تجد صعوبة في الانفصال عن المظلة الأمنية الأميركية.
وفي هذا السياق، يلفت إلى استمرار اعتماد العديد من الدول الأوروبية على التسليح الأميركي، مشيرًا إلى أن ألمانيا، رغم تخصيصها نحو 100 مليار يورو لتعزيز قدراتها العسكرية، اتجهت لشراء مقاتلات F-35 Lightning II الأميركية، بدل الاستثمار في مشاريع دفاعية أوروبية مشتركة، وهو ما يعكس عمق الترابط العسكري بين الجانبين.
كما يتناول بركات البعد السياسي للخلاف، معتبرًا أن بعض السياسات الأميركية الأخيرة تُفسَّر أوروبيًا كمحاولة للتأثير في الداخل الأوروبي، بما في ذلك دعم تيارات اليمين، كما حدث في المجر مع رئيس الوزراء فيكتور أوربان.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الحديث عن “انفصال كامل” بين أوروبا والولايات المتحدة لا يزال غير واقعي في المرحلة الحالية، في ظل استمرار الترابط العسكري والاقتصادي العميق بين الطرفين، رغم تصاعد الخلافات السياسية.
ليمند: أوروبا تمتلك أسلحة اقتصادية فتاكة ضد ترامب





