ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية في الداخل الإيراني، بات شراء بعض المواد الغذائية بالتقسيط أمرا معتادا داخل الأسواق، بعدما أصبح توفير الاحتياجات الأساسية عبئا يفوق قدرة كثير من الأسر ليتحول “التقسيط” من وسيلة لشراء السلع إلى خيار اضطراري للحصول على الاحتياجات الغذائية الأساسية ذاتها.
ويرى محللون إيرانيون ومراقبون في حديثهم لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن وصول ظاهرة “شراء البقالة بالتقسيط” إلى هذا المستوى يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلاد موضحين أن استمرار التضخم وانهيار العملة المحلية وتراجع فرص العمل، يدفع شريحة متزايدة من الإيرانيين إلى الاعتماد على الديون لتأمين احتياجاتهم اليومية في وقت تتآكل فيه الطبقة الوسطى بصورة متسارعة.
ماذا يحدث في إيران؟
تصدرت معدلات التضخم المشهد الاقتصادي المتأزم في إيران بعدما سجلت 53.7 بالمئة خلال الشهر الماضي في حين قفز تضخم أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من 115 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني الرسمي ما عكس حجم الضغوط المعيشية المتفاقمة التي تواجهها الأسر الإيرانية.
وخلال الأشهر الأخيرة، تعرض الإيرانيون لموجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار طالت الغذاء والأدوية ومختلف السلع الأساسية، كما شهدت البلاد خسائر واسعة في فرص العمل وإغلاق العديد من الأنشطة التجارية، نتيجة الأضرار التي لحقت بقطاعات صناعية رئيسية جراء الضربات الأخيرة.
وتقول تقارير محلية إن كثيرا من الأسر الإيرانية باتت تلجأ إلى بيع الذهب والممتلكات الشخصية لتغطية النفقات اليومية، في وقت اعترفت فيه الحكومة بشكل غير مباشر بحدة الأزمة عبر إقرار برنامج يسمح للأسر بشراء المواد الغذائية بنظام الائتمان كل شهرين.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب إذ ذكر موقع “إيران إنترناشيونال” أن هذا التحول وسع نطاق الدفع بالتقسيط ليتجاوز المنتجات الثمينة تقليديا مثل الثلاجات والغسالات ليصل إلى المواد الغذائية والمستلزمات التموينية في “السوبرماركت”، إذ تعمل المتاجر الكبرى وتجار التجزئة الأصغر حجما حاليا على الإعلان عن مواد غذائية ومنتجات نظافة شخصية ومستلزمات منزلية، مع خطط سداد تمتد لعدة أشهر.
مؤشر اقتصادي “خطير”
بدوره، يرى المحلل الاقتصادي الإيراني، علي رضا صداقت، في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن “لجوء آلاف الأسر الإيرانية إلى شراء المواد الغذائية الأساسية بالتقسيط يمثل علامة خطيرة على انتقال الأزمة من مستوى الغلاء وتراجع الدخل إلى مستوى تهديد كرامة الحياة اليومية والأمن الغذائي للأسر”.
وأوضح صداقت أن “امتداد الشراء بالتقسيط من السلع المعمرة إلى اللحم والحليب والاحتياجات الأساسية يكشف أن الدخل الشهري لم يعد قادرًا على تغطية أبسط متطلبات المعيشة، فالأسرة الإيرانية التي كانت تحاول سابقًا تقليص النفقات، باتت اليوم مضطرة إلى شراء غذائها بالدين، وهذا يعني أن الفقر لم يعد هامشيًا، بل أصبح يضغط على الطبقة الوسطى والعمال والمتقاعدين والشرائح الأوسع من المجتمع”.
وأشار إلى أن جذور الانهيار أعمق بكثير فإيران بلد غني بالنفط والغاز والثروات الطبيعية غير أن مواردها وُضعت لعقود في خدمة النظام بدل أن تُستثمر في الإنتاج وفرص العمل والخدمات العامة”.
واعتبر الخبير الاقتصادي الإيراني أن الحالة تغذي غضبا شعبيا مكتوما يتراكم تحت سطح المجتمع الإيراني فعندما يتحول الطعام إلى دين وعندما تعجز العائلة عن تأمين مائدتها اليومية، فإن الأزمة لا تبقى اقتصادية فقط، بل تتحول إلى قنبلة اجتماعية وسياسية، يمكن أن تنفجر في أي لحظة”.
وعلى هذا المنوال أشار الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الوطني للمقاومة الايرانية، حسين داعي الإسلام، لـ”سكاي نيوز عربية” إلى أن “ارتفاع البطالة بالتوازي مع التضخم الذي يقترب من 60 بالمئة يعني دخول الاقتصاد في مرحلة خطيرة من الركود التضخمي”.
وشدد على أن “الأزمة الاقتصادية الراهنة تسببت في تراجع القدرة الشرائية إلى أدنى مستوياتها وتقليص الاستهلاك ما يؤدي بدوره إلى مزيد من إغلاق الشركات وتسريح العمال، في حلقة مفرغة من الانكماش”.





