هذا هو السيناريو الذي تطرحه تقديرات استخباراتية أميركية حديثة، رجحت أن يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال السنوات المقبلة، إلى تنفيذ تحرك محدود ضد إحدى دول الناتو، بهدف اختبار وحدة الحلف من دون إشعال مواجهة عسكرية شاملة.
وبحسب ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال”، تتراوح السيناريوهات بين هجوم إلكتروني واسع وعمليات تخريب وتدخلات تنفذها قوات غير نظامية، وصولاً إلى توغل بري محدود في الجناح الشرقي للحلف.
وتضع التقديرات النافذة الزمنية المحتملة بين خريف 2026 وعام 2029، مع اعتبار التوغل البري المباشر السيناريو الأقل ترجيحاً.
قدرة روسية.. لا قرار بالحرب
اعتبر المسؤول السابق البارز في حلف الناتو نيكولاس ويليامز أن التقديرات الأميركية لا تقدم جديداً بشأن القدرات الروسية، إذ تستطيع موسكو إرباك دول الحلف عبر الهجمات السيبرانية والتخريب والتدخل، من دون دفع الناتو بالضرورة إلى رد عسكري شامل.
وقال ويليامز، الذي خدم لعقود في وزارة الدفاع البريطانية، في تصريحات خاصة لـ”سكاي نيوز عربية”: “أما ما إذا كانت روسيا تعتزم بالفعل اختبار تماسك الناتو، فهذه مسألة منفصلة ويصعب تقييمها بدرجة أكبر”.
وأشار إلى أن بوتين حرص حتى الآن على إبقاء حرب أوكرانيا داخل الحدود الأوكرانية، وقاوم دعوات روسية إلى استهداف المراكز اللوجستية التابعة للناتو رداً على الضربات الأوكرانية داخل روسيا.
ويرى ويليامز أن هذا الحذر يرتبط باعتقاد بوتين بأن قواته لا تزال قادرة على تحقيق تقدم تدريجي في أوكرانيا، لكنه حذر من أن المعادلة قد تتغير إذا مكّن الدعم الأوروبي كييف من تكثيف ضرباتها ضد الأراضي الروسية ومنشآت الطاقة.
وأضاف: “قد يجد بوتين نفسه أكثر ميلاً إلى استخدام التعطيل والتخريب ضد دول أعضاء في الناتو بشكل منفرد، لاختبار تضامن الحلف وتوجيه تحذير من مغبة دعم تصعيد الهجمات الأوكرانية”.
الفخ تحت سقف المادة الخامسة
تكمن خطورة السيناريو في احتمال تصميم أي تحرك روسي بحيث يبقى دون المستوى الذي يدفع أعضاء الناتو سريعاً إلى تفعيل المادة الخامسة، التي تعتبر الهجوم على أحد أعضاء الحلف هجوماً على الجميع.
ويؤكد الناتو أن الهجمات الإلكترونية والعمليات الهجينة الكبيرة يمكن أن ترقى إلى مستوى “هجوم مسلح”، لكن القرار يُتخذ وفق كل حالة على حدة، وبموافقة الدولة المستهدفة أو طلبها للتحرك الجماعي.
وتمنح هذه المنطقة الرمادية موسكو مساحة لاختبار سرعة الرد ونطاقه، خصوصاً إذا كان الهجوم محدود الأضرار أو تعذر إثبات الجهة التي تقف وراءه بصورة حاسمة.
وقالت الباحثة البارزة في معهد أميركان إنتربرايز هيذر كونلي إن السؤال الحاسم سيكون متعلقاً برد فعل الولايات المتحدة، معتبرة أن أحد أهداف موسكو يتمثل في ضرب مصداقية الناتو ومحاولة الفصل بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
وأضافت: “لطالما كان أحد أكبر تحديات الناتو هو كيفية الرد على هجوم يقع دون مستوى المادة الخامسة. وحتى الآن، فضّل الحلفاء عدم التصعيد”.
واستشهدت كونلي بالهجمات الإلكترونية التي تعرضت لها إستونيا عام 2007، حين اختارت تالين إدارة الأزمة من دون الدفع نحو تفعيل المادة الخامسة.
دول البلطيق وبولندا
تركز السيناريوهات الغربية على دول البلطيق أو بولندا بوصفها أهدافاً محتملة لأي تحرك روسي محدود، نظراً إلى موقعها على الجناح الشرقي للحلف ودورها في دعم أوكرانيا.
ولا تتعامل أجهزة الاستخبارات مع هذه السيناريوهات باعتبارها معلومات مؤكدة عن قرار روسي بالحرب، بل تقديرات لاحتمالات قد ترتفع إذا واجه بوتين مأزقاً عسكرياً أو سياسياً في أوكرانيا، واحتاج إلى تحقيق مكسب خارجي أو إضعاف الدعم الغربي لكييف.
وتتزامن التحذيرات مع رصد تحركات تصفها دوائر غربية بأنها “هجمات استكشافية”، تشمل اختراقات جوية وعمليات تخريب وهجمات إلكترونية تهدف إلى قياس سرعة استجابة دول الحلف وطبيعة التنسيق بينها.
كما حذرت ليتوانيا أخيراً من احتمال لجوء موسكو إلى عمليات مضللة باستخدام مسيّرات أوكرانية استولت عليها، بينما رفض الكرملين هذه الاتهامات ووصف التحذيرات الغربية بأنها محاولة لتبرير زيادة الوجود العسكري قرب روسيا، وفق رويترز.
وبذلك، لا يتمثل الاختبار الأخطر في قدرة الناتو العسكرية على صد توغل محدود، بل في قدرته السياسية على اتخاذ قرار سريع وموحد. فنجاح موسكو في إحداث انقسام بين واشنطن وأوروبا، ولو من دون السيطرة على أرض، قد يمنحها النصر الذي تبحث عنه: إثبات أن ضمانات الحلف أقوى على الورق منها عند أول اختبار حقيقي.
