في ظل التوسع المطرد لمزارع الأفوكادو الموجهة للتصدير في المغرب، باتت تطفو على السطح أزمة مائية خانقة تضع صغار الفلاحين في مواجهة غير متكافئة مع كبار المستثمرين. وبينما تتمتع الضيعات الزراعية الكبرى بقدرات تقنية ولوجستية تمكنها من مواصلة الضخ من أعماق سحيقة، يجد المزارعون البسطاء أنفسهم أمام آبار جافة وواقع اقتصادي يهدد سبل عيشهم.
ورغم الأمطار الغزيرة التي شهدها المغرب خلال عام 2026 وأنهت سنوات من الجفاف، إلا أن الفرشة المائية الجوفية لم تستعد عافيتها بالسرعة المطلوبة. وفي هذا السياق، رصدت تقارير ميدانية وجود ضيعة واحدة قرب مدينة تيفلت تضم شبكة من 35 بئراً وخمسة خزانات مياه، تعتمد على أنظمة ري متطورة، حيث يحصل كل نبات يومياً على كميات محسوبة من المياه تصل إلى 20 لتراً في الساعة، تتضاعف خلال فصل الصيف.
في المقابل، يواجه صغار الفلاحين تحدياً وجودياً؛ إذ لم تعد آبارهم التقليدية تفي بالغرض، وأصبح الوصول إلى المياه يتطلب الحفر لأعماق تصل إلى 150 متراً، وهي تكلفة باهظة لا يقوى عليها سوى أصحاب الاستثمارات الضخمة. هذا الواقع دفع العديد من صغار المزارعين إلى خيارات قاسية، بين هجر الزراعة، أو بيع أراضيهم، أو التحول إلى عمال مأجورين في الضيعات التي نافستهم على المورد الحيوي.
الاستهلاك المائي المفرط وتحديات القطاع
تؤكد بيانات وكالة حوض سبو أن النشاط الزراعي يستنزف أكثر من 80 بالمئة من المياه المسحوبة في المنطقة، مما يضع الفرشة المائية في سهل الغرب تحت ضغط عجز مستمر. ويوضح محمد طاهر السرايري، أستاذ الزراعة في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، أن شجرة الأفوكادو تستهلك سنوياً ما بين 1600 و1800 مليمتر من المياه، وهو ما يعادل أربعة أضعاف احتياجات الحبوب وثلاثة أضعاف احتياجات البطاطا.
وعلى الرغم من القفزة الكبيرة في إنتاج الأفوكادو، الذي صعد من 15 ألف طن عام 2015 إلى 130 ألف طن عام 2024، إلا أن الموسم الأخير (2025-2026) كشف عن هشاشة هذا القطاع، حيث انخفض الإنتاج إلى أقل من 70 ألف طن نتيجة موجات الحر والاضطرابات المناخية، رغم تصدير أكثر من 50 ألف طن، بحسب أرقام جمعية الأفوكادو المغربية.
مواقف متباينة ورؤية حكومية
يدافع العاملون في قطاع الأفوكادو عن استثماراتهم بوصفها مصدراً للعملة الصعبة وموفراً لفرص العمل، مؤكدين أن تقنيات الري بالتنقيط تساهم في ترشيد الاستهلاك. في المقابل، يرى مراقبون أن التوسع الكبير في المساحات المزروعة يجعل من تقنيات التنقيط مجرد حل جزئي لا يوقف نزيف الموارد المائية، خاصة وأن العائد المادي يتركز في يد كبار المستثمرين بينما يتحمل السكان المحليون أعباء تراجع المياه.
من جهته، نفى المكتب الوطني للكهرباء والماء وجود انقطاعات مستمرة في تيفلت، بينما أقر رئيس البلدية بحدوث انخفاض سابق في التدفق المائي، مؤكداً تحسن الوضع لاحقاً. وتعمل الحكومة المغربية حالياً على خطة طموحة لإنتاج 1.7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً بحلول عام 2030، إلا أن وزير الماء، نزار بركة، اعترف بوجود فجوة واسعة بين وتيرة التوسع الزراعي والسياسات المائية الوطنية التي باتت في مواجهة مباشرة مع تداعيات تغير المناخ.
