يرى الباحث والمؤرخ الدكتور حمد بن جمعة بن صراي، أن الفنون الأدائية الشعبية الإماراتية، مثل “العيالة” و”اليولة”، لا تُمثل مجرد إرث تاريخي أو رقصات ترفيهية، بل تُعد ركيزة أساسية للهوية الوطنية وترياقاً حيوياً لمواجهة تحديات العولمة والذوبان الثقافي في عصر الرقمنة.

وأكد الدكتور بن صراي أن هذه الفنون تقوم بدور جوهري في تحويل القيم المعنوية كالشجاعة والإقدام إلى لغة جسد ملموسة. فعلى سبيل المثال، تُجسد “العيالة” -التي تُعرف برقصة النصر- مفاهيم التحدي والوحدة من خلال حركات رمزية منظمة، مثل رفع العصي والرؤوس في صفين متقابلين، مما يعكس روح الإعزاز ورفض العدوان، وهو ما يجعل منها أداة لتعزيز التماسك الوطني في مواجهة متغيرات الحاضر.

الرقص الشعبي: جسر بين التراث والحداثة

أشار بن صراي إلى أن العلاقة بين الفنون الأدائية والواقع المعاصر ليست علاقة انفصال، بل هي تفاعل حي ومستمر. فمع التحولات العصرية، تحولت هذه الرقصات من طقوس حربية قديمة إلى لغة احتفالية تعبر عن الهوية في المناسبات الوطنية والاجتماعية. وأوضح أن الفنون الشعبية تعكس طبيعة البيئة الجغرافية؛ إذ تتسم رقصات المناطق الجبلية بالصلابة، بينما تتسم رقصات المناطق الساحلية بالانسيابية، مما يبرز ارتباط الإنسان الإماراتي ببيئته.

وفي سياق التجديد، لفت بن صراي إلى إمكانية دمج هذه الأدائيات في سياقات فنية حديثة كالمسرح الحركي، بما يضمن الحفاظ على الأصالة وتلبية احتياجات التطور. كما تعمل هذه الممارسات كمساحة للتحرر النفسي وتفريغ ضغوط الحياة اليومية، مع الحفاظ على قيم التعاون والوحدة التي تُعد رسالة اجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الماضي.

تعزيز الهوية والخصوصية الثقافية

وفيما يخص “اليولة”، وصفها الباحث بأنها أحد أبرز الفنون التي تُبرز مهارة الفرد وشجاعته، حيث استمدت جذورها من فن “الرزفة” لتصبح استعراضاً حركياً دقيقاً. وخلص بن صراي إلى أن الفنون الأدائية الشعبية تظل “مرساة” تربط الأجيال الناشئة بجذورها، وتمنح المجتمع حصانة ثقافية ضد التأثيرات العالمية، مؤكداً أن هذه الفنون هي اللغة المشتركة التي تُرسخ روابط الانتماء والتماسك الاجتماعي في الدولة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version